مالك وجنوب

د . صباح ايليا القس

 

اما مالك فهو الشاعر مالك بن الحرث بن الصمصامة أخو الشاعر ذي الرمَّة واما جنوب فهي بنت قيس بن أصبغ الجعدي وهذه هي التي تعلق قلب مالك بحبها حين رآها وقد ألقت ما عليها من لباس أخضر شفاف فأحبها وتعلق قلبه بحبها من اول نظرة ..

وكان مالك رجلا شجاعا صاحب نخوة ونجدة يعرفه كل الذين حوله من أهل وأصدقاء لكنه بعد أن تعلق بهذا الحب ظل وفيا صادقا في حبه حتى مات عشقا ولم يبلغ من العمر سوى ثمان وعشرين عاما فهو من الشعراء العشاق الذين قتلهم الحب ..

تقول الرواية أنه أفشى سرّه الى أحد أصدقائه الذي نقل الخبر الى أخيها الذي هدده بالموت اذا كان الامر صدقا .

ومن المصادفة ان التقيا يوما في مجلس ولم تكن جنوب تعلم ما يكتمه أخوها ولم تكن تعلم ان مالكا قد تعلق بها فدخلت المجلس فارتعد مالك وأخذته رعشة اذ لم يستطع ان يكلمها فوقع وغاب عنه الوعي وحين صحا من غيبوبته قال :

خليليَ إن حانت وفاتي فادفنا        برابية بين المقابر فالنفر

لكي ما تقول العبدلية كلما            رأت قبرا سقيت يا قبرُ من قبرِ

والنفر تربة طيبة الرائحة يعرفها اهل المنطقة .. والعبدلية يقصد الحبيبة المطلوبة ( جنوب ) اما دعوة   السقيا فتعني ترطيب القبر بالماء او عند المطر وعدم تركه جافا اذا أخذنا بنظر الاعتبار أهمية الماء في الصحراء ..

ثم ان أهلها ارتحلوا من مكانهم الى مكان آخر بحثا عن الماء والعشب وعندما علم مالك ان القوم على رحيل وانهم قد أعدوا العدة وجهزوا النوق والابل وحزموا الامتعة قرر مالك ان يراقب ويرصد في اية ناقة او بعير سيكون ركوب جنوب واذا تحرك الركب اندفع بين الناس وأخذ بحبل بعيرها وقال :

رأيتكِ ان ازمعتم اليوم نيّة                  وغالك مصطاف الحمى ومرابعه

أترعين ما استودعت ام أنت كالذي      اذا ما نأى هانت عليه ودائعه

فهو يقول لها انه يراقبها وانها تبحث مع اهلها عن مكان آخر فيه الاجواء اللطيفة والخضرة وطيب الاقامة وفي البيت الثاني يقول لها هل ستحافظين على علاقة حبنا ام أنت من الذين اذا ابتعد هانت عليه العلاقة السابقة ؟

تقول الرواية انها حين سمعت قوله وهو يمسك زمام بعيرها قالت : نعم سأرعى الامانة ولا يمكن ان تهون عندي الودائع فايقن انها تحبه أيضا فتركها وانصرف .

واذ تفكّر فيما هو فيه من موقف لا يحسد عليه فقال :

وكيف من دون الورد عوائق         وأجنح حال ما أحب ومانعه

وظل على حاله من السكون والترقب حتى ادركه الليل فبات قلقا ضعيفا متعبا ، فلما كان الصبح إنطلقفي الفضاء الصحراوي الواسع ينزِّه عن نفسه حتى لاقاه شخص وعرف ما علته وصار كالمصروع فنقلوه وقد قارب الموت حتى اذ مرّت عليه ليلتان مات عشقا وقد قال وهو في غيبوبته :

فلا صبر لي بعد الفراق على الجفا          ولا راحة إلا التوسّد في الرمسِ

فصبر محبٍّ عن حبيبٍ يحبه                محالٌ وهل جسم يعيش بلا نفسِ

الرمس = القبر .

قد يعجبك ايضا
∧