الباحث الحقوقي: رەنج باراوی
لم يكن ظهور الرئيس (مسعود بارزاني) في لقائه التلفزيوني عبر قناة (الشرقية) التي قدمته في خطابها الإعلامي بلقب (زعيم الأمة الكوردية) مجرد مقابلة عادية، بل كان انعطافة استراتيجية في توقيت بالغ الحساسية، لتقديم قراءة عميقة ومعبرة لتعقيدات المشهد السياسي العراقي الحائر في دوامة صراعات خفية. إن اختيار قناة «الشرقية» لاحتضان هذا اللقاء بحد ذاته حمل رسالة إعلامية مدوية، أكدت أن هذه القناة وحدها تمتلك الجرأة والوزن المهني لاستضافة القامات الكيانية الكبرى كـ (بارزاني) على شاشتها ، لكي يصل صوت الحقيقة ومنطق إدارة الدولة إلى عمق الشارع العراقي، لتغدو المقابلة بمثابة (حديث القرن) الإعلامي في العراق. وفي خضم مخاضات الأزمات والتحولات المتسارعة التي يعيشها العراق والمنطقة، أرسل الزعیم منظومة رسائل متعدّدة الأبعاد، سبر من خلالها أغوار (الزوايا الخفية) و(النقاط العمياء) في معادلات الحكم الراهنة بموضوعية وأمانة تامة.
إن توقيت هذا اللقاء الذي اختارته فظائیة (الشرقية) والدوائر السياسية في بغداد، جاء انعكاساً لحاجة موضوعية لا غنى عنها لدى المركز العراقي لاستنطاق قراءة زعيم مؤثر يمسك بمفاتيح الحلول ويُستبان برأيه. لقد أيقن الإعلام الاتحادي أن أي معادلة سياسية أو استقرار طويل الأمد في العراق يظل منقوصاً ما لم يستند إلى مواقف ورؤى واضحة وعميقة من الرئيس (بارزاني)؛ لذا جاءت هذه الخطوة مقصودة لسبر غور اتجاهات القرار السياسي المستقبلي بين الإقليم وبغداد. وفي ذات السياق، مثّل اختيار قناة بغدادية الصبغة كـ (الشرقية) خطوة جغرافية سياسية كبرى لتحطيم الجدران المصطنعة بين أربيل وبغداد الاتحادية، وايصال الرسالة مباشرة إلى وجدان المواطن العربي في وسط وجنوب العراق، تأكيداً على أن القضية الكوردية هي قضية وطنية عادلة وليست خصومة بين المكونات، مما أسهم في صياغة خطاب وطني رحب يخاطب الشارع العربي بوعي وإنصاف.
وفي الوقت الذي سعى فيه محاور الحلقة إلى محاصرة مكانة الإقليم ورمزية (الرئيس بارزاني) عبر أسئلة حادة وموجّهة أو ذات أفق ضيق، انقلبت تلك الأسئلة لتغدو نقاط ضعف للمحاور نفسه وفخاً عكسياً تجاوزه (بارزاني) بهدوء وروية وخبرة سياسية عريقة، محولاً إياها إلى منصة لتشخيص عقلية الإدارة الحاكمة في بغداد وإثبات أن الأزمات الحقيقية تنبع من بغداد لا من أربيل. ولم ينجرف بارزاني إلى فخ العاطفة، بل أجرى فرزاً علمياً دقيقاً بين حقوق الشعب العراقي الأصيلة وبين العقلية الشوفينية أو الفاسدة للمتنفذين في السلطة، مبرهناً أن مأزقنا التاريخي ليس مع الشعب، بل مع العقلية الإدارية العليلـة.
وقد اركزت إجابات (الرئيس بارزاني) على ركائز أساسية، تصدرها التأكيد الراسخ على الثقة الدستورية ونبذ الوعود الشفهية الفضفاضة، قناعةً منه بأن الشراكة لا تُبنى على التطمينات العابرة ولا على تفاهمات الكواليس، بل تُقاس حصراً بالالتزام بالدستور الدائم وتطبيق مبدأ الشراكة الحقيقية. بالتوازي مع ذلك، أبدى (بارزاني) اعترافاً واقعياً بموازين القوى حين أشار بوضوح إلى أن (الإطار التنسيقي الشيعي) يمسك بزمام القرار المطلق والسلطة الفعلية في العراق، في قراءة رصينة واقعية تقتضي مخاطبة صانع القرار الحقيقي لا الواجهات السياسية الشكلية. كما أطلق تحذيراً استباقياً حيال تراجع الاهتمام الدولي وما يمثله من خطر داهم لعودة شبح «داعش» في المناطق المتنازعة عليها، نتيجة غياب النهج الإداري السليم وتخلق الفراغات الأمنية.
وفي محور آخر، أكد بارزاني عبر شعار (رفض الانحناء) أن شعب كوردستان، ورغم براثن الظلم التاريخي، يمتلك إرادة صلبة لا تلين. وإن وصف أربيل بأنها مدينة عراقية تقبع تحت وطأة الحصار، يمثل رسالة عميقة ترفض منطق (المواطنة من الدرجة الثانية) الذي تحاول بغداد فرضه على الإقليم، وتأكيداً صارخاً على أن القرار الكوردي لا ينبع إلا من أربيل ولن يكون أداة في صراعات إقليمية تنافسية. وإلى جانب ذلك، فإن تعامل (الرئيس بارزاني) بابتسامة وعابر لافت مع استمرار شخصية بحجم رئيس الوزراء العراقي الحالي (محمد شياع السوداني) في حربها على الفساد واصفاً إياه بـ (بطل الأسطورة)، حمل دلالة بليغة مفادها: أن محاربة الفساد وترسيخ سيادة القانون لا يجوز أن يتحولا إلى يافطة طائفية أو أداة إقصاء، بل يجب أن تمتد مظلة القانون وعدالته لتطال كل مفسد بلا استثناء، وهو ما يعكس سمواً فكرياً يتجاوز الخنادق الطائفية ويربط مناهضة الفساد بالوجدان المدني والوطني الجامع.
ومن الجوانب البالغة الأهمية التي تستحق الوقوف عندها بلاغةً وسيمياءً، موقفه الحازم حيال مخاطر انسحاب القوات الأمريكية والتحولات في المشهد العسكري. لقد أطاح (بارزاني) من خلال صياغة بلاغية دقيقة بوهم (الرعاية غير المحدودة)، موجهاً رسالة واضحة مفادها: «أن حماية كيان الإقليم تستند بالدرجة الأولى إلى القوة واللحمة الداخليتين، لا إلى قرار بقاء القوة الأجنبية». إن استخدام مصطلح التحذير من فراغ أمني(تهویل الستراتیجي) لم يكن سوى رسالة بليغة للمركز والحلفاء بأن تلاشي الرقابة الدولية لا يضر الكورد وحدهم، بل يطيح بالبنية الأمنية العراقية بأسرها، في ذروة توازن فريد بين نعومة الدبلوماسية وصلابة الموقف.
وفي حقل الاقتصاد السياسي، وضع (بارزاني) ملف الموازنة والرواتب والمستحقات المالية في صدارة محاور فهم سياسة (التجويع الممنهج) للشعب، مفككاً أوراق الضغط التي تستخدمها بغداد، ومطالباً بفصل معيشة المواطنين والحقوق المالية عن الصراعات الحزبية المقيتة. ولم تكن ردود الفعل في بغداد حيال هذا اللقاء مجرد انفعالات عاطفية، بل تحولت إلى محفز اضطراري لخلق آليات حوار ودفع صناع القرار في بغداد لإعادة النظر في تلك السياسات الانغلاقية التي باتت تهدد أمن واستقرار العراق بأسره.
وفي خاتمة هذه القراءة الواقعية؛ وكما تجلى من منظور الرؤية القانونية والوطنية الرصينة، لم يكن لقاء (الرئيس بارزاني) مجرد إطلالة سياسية عابرة، بل خارطة طريق استراتيجية لتجاوز الأزمات ورأد الصدوع الخطيرة في بنية الدولة العراقية. وعليه، فقد برز (بارزاني) كحارس أصيل لروح الدستور والديمقراطية، مصراً على شراكة حقيقية وعدالة مالية وإدارية؛ لأنه في نهاية المطاف، وكما يتجلى في أبهى وأعمق رسائل اللقاء:
على مسرح السياسة العراقية المتبجح، لم يكتفِ (بارزاني) باستدعاء توازنات الاستقرار، بل أعاد الاعتبار لمفهوم الدولة والكرامة الوطنية؛ فأربيل قلعة لا تسقط بالصمت ولا تلين أمام التسويات الظرفية، بل تكتب حدود الأزمات بقلم الدستور وثقل التاريخ. وفي المشهد الأخير لهذا اللقاء المضيء، بعث (بارزاني) بالرسالة الأصفى للاستقرار المنشود: بأن القرار الكوردي في الإقليم لن يحيد عن خطه الوطني تحت أي ضغط أو اختبار، ولن يكون خنجراً في خاصرة الجيران، بل يبقى باب الحوار مفتوحاً على مصراعيه على أساس التوازن والمصالح المشتركة، إذ إن سلام المنطقة وأمنها لا ضمان له إلا بالاعتراف الحقيقي والكامل بحقوق شعب كوردستان، ولا شيء سوى ذلك.
المصدر: اللقاء التلفزيوني الخاص للرئيس مسعود بارزاني (الذي قُدم في خطاب القناة بلقب «زعيم الأمة الكردية») مع فضائية «الشرقية» (Alsharqiya TV)، أيلول 2026.