خالد بهلوي
في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية تصبح وحدة المؤسسات الثقافية ضرورة لحماية الذاكرة، وتعزيز الهوية وفتح آفاق جديدة أمام الإبداع ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى توحيد اتحادات وروابط الكتاب الكرد لتصبح قوة ثقافية مشتركة قادرة على الحضور والتأثير.
لقد أسهم الكتاب والمثقفون الكرد على امتداد عقود طويلة، في حفظ اللغة والذاكرة والتاريخ الشفهي والأدبي للشعب الكردي وفي ظروف التشتت الجغرافي والسياسي لعب الأدب دورًا أساسيًا في إبقاء الصلة قائمة بين الأجيال، وفي التعبير عن التجربة الكردية بمختلف أبعادها لكن هذا الدور الكبير يحتاج اليوم إلى مؤسسات ثقافية أكثر تنسيقًا وقدرةً على العمل المشترك.
عندما تعمل المؤسسات الثقافية بصورة منفصلة، من دون قنوات للتعاون والتنسيق، تتوزع الجهود وتضعف القدرة على تمثيل الأدب والثقافة الكردية في داخل الوطن وخارجه.
إن وحدة الاتحادات يمكن أن تبدأ من بناء إطار تنسيقي واسع يحافظ على خصوصية كل اتحاد، ويجمعها حول قضايا ومشروعات مشتركة ومن أبرز هذه القضايا قضية اللغة فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير الأدبي وإنما هي وعاء للذاكرة والثقافة والهوية. كما يمكن التنسيق لإقامة مهرجانات مشتركة، ومعارض للكتب، وحفلات توقيع لإصدارات الكتاب والروائيين، فضلًا عن إحياء ذكرى الأدباء والفنانين الراحلين بصورة مشتركة.
كل هذا يحتاج إلى جسور تربط بين التجارب المختلفة من خلال العمل المشترك لدعم مشاريع الترجمة، وتشجيع النشر وإقامة الندوات والمؤتمرات التي تجمع الأدباء والمهتمين بالحقل الثقافي والعمل على حفظ التراث الأدبي والمخطوطات والدوريات القديمة.
والحقيقة أن التعاون يساعد في إيصال الأدب الكردي إلى لغات أخرى بحيث لا يبقى محصورًا في المجال المحلي بل يصبح جزءًا حاضرًا في المشهد الأدبي الإقليمي والدولي.
حين يتحدث كل اتحاد بصورة منفردة فإن صوته يظل محدودًا بحدود المؤسسة ومجالها الجغرافي أما حين تتعاون الاتحادات ضمن مظلة ثقافية واسعة فإن قدرتها على تمثيل الكتاب والأدباء الكرد تزداد.
ويمكن لمثل هذا الإطار المشترك أن يكون شريكًا للمؤسسات الثقافية العربية ودور النشر والمهرجانات الأدبية ومنظمات حقوق الكتاب وحرية التعبير. كما يستطيع أن يعرّف بصورة أفضل بالنتاج الأدبي الكردي وأن يفتح أبوابًا للترجمة والتبادل الثقافي ومعارض الكتب ومهرجانات الشعر وتقديم الإصدارات الجديدة للكتاب سواء في مجال الأدب أو الرواية أو القصة.
الثقافة تزدهر بالاختلاف والأدب بطبيعته لا يعيش في بيئة مغلقة ومن الطبيعي أن تتعدد المدارس والرؤى والمواقف بين الكتاب لذلك فإن الوحدة المطلوبة هي وحدة في العمل الثقافي والمصالح المهنية والمشروعات المشتركة وليست وحدة في الأفكار والمواقف الشخصية.
يمكن للكاتب أن يختلف مع كاتب آخر في رؤيته للأدب أو السياسة أو المجتمع لكنهما يستطيعان معًا الدفاع عن حرية التعبير ودعم الكتاب الشباب، وحماية التراث الأدبي وتشجيع الترجمة والنشر.
ومن المهم أيضًا دعم الطاقات الشبابية فالكاتب الشاب يحتاج إلى فضاء يتيح له النشر والتدريب والتواصل مع الأدباء الآخرين كما يحتاج إلى فرص للمشاركة في المهرجانات والورش والإقامات الأدبية. ويمكن لاتحاد أو إطار تنسيقي مشترك أن ينشئ برامج خاصة بالشباب ومسابقات أدبية وورشًا للكتابة والترجمة ومنصات للتعريف بالمواهب الجديدة لتتحول هذه المبادرات إلى جسر نحو المستقبل.
إن وحدة اتحادات الكتاب يمكن أن تُؤسَّس على احترام التعدد وحماية حرية الإبداع ودعم اللغة الكردية وتشجيع الترجمة وتوثيق التراث وتطوير النشر ورعاية الأجيال الجديدة.
ويمكن ترجمة هذه المبادئ إلى خطوات عملية مثل إنشاء مجلس تنسيقي يضم ممثلين عن الاتحادات المختلفة وتنظيم مؤتمر أدبي كردي دوري وإطلاق مجلة أو منصة ثقافية مشتركة وإنشاء قاعدة بيانات للأدباء والكتب والإصدارات الكردية وتأسيس برامج للترجمة والتبادل الثقافي.
ولا يشترط أن تبدأ الوحدة بمشروع ضخم فقد تبدأ باتفاق بسيط على التعاون ثم تتطور تدريجيًا مع تراكم الثقة والخبرة.
لقد عاش الأدب الكردي تاريخيًا في فضاء يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية فالقصيدة والرواية والقصة والأغنية الشعبية انتقلت بين المدن والقرى والمناطق وحملت معها الذاكرة والتجربة الإنسانية.
واليوم في عصر الاتصالات والمنصات الرقمية لم تعد المسافات عائقًا حقيقيًا أمام التعاون بل إن التكنولوجيا تمنح الاتحادات فرصة غير مسبوقة للتواصل وتبادل الإصدارات وتنظيم الفعاليات المشتركة والوصول إلى القراء أينما كانوا.
فالثقافة الكردية أكبر من أي مؤسسة منفردة والأدب الكردي أغنى من أن يُحصر في حدود جغرافية أو تنظيمية ومن ثم فإن بناء جسور التعاون بين اتحادات الكتاب وتأسيس إطار مشترك يحترم استقلال كل مؤسسة يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو ثقافة كردية أكثر حضورًا وتنظيمًا وتأثيرًا.
إن وحدة الكتاب ليست وحدة الأقلام في أسلوب واحد ولا وحدة الأفكار في اتجاه واحد إنها وحدة في الإيمان بأن الكلمة قادرة على بناء الجسور وحفظ الذاكرة وصناعة المستقبل.