من باب المندب إلى هرمز… العالم على المحك

د.خليل مصطفى عثمان

يُعدّ التحكم في الممرات المائية التجارية واستخدام الضغوط الاقتصادية جزءًا أساسيًا من صراع القوى العظمى. إن التوترات البحرية المستمرة في الشرق الأوسط—من مضيق هرمز عبر الصراعات والحروب الإقليمية مع إيران، وصولًا إلى اقتراب الحوثيين والضربات الأمنية في مضيق باب المندب—ليست مجرد أزمات إقليمية عابرة، بل أصبحت أدوات فاعلة لتغيير وإرباك المشهد الاقتصادي العالمي، ولا سيما على الاتحاد الأوروبي، والدول النامية في جنوب شرق آسيا، ودول الخليج، فضلًا عن إقحام العراق في أتون هذه الضغوط الاقتصادية والأمنية.
ومن منظور التحليل الجيو-اقتصادي، تعتمد استراتيجية واشنطن على الحفاظ على هيمنة الدولار والتحكم في شرايين الطاقة والتجارة العالمية؛ كون المثلث الممتد بين مضيق هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر يمثل أهم معبر تجاري بين الشرق والغرب.
من جهة أخرى، تستغل واشنطن هذه التوترات والتهديدات الأمنية كأداة للضغط على دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية. وتكمن الغاية الأساسية لواشنطن من هذه الضغوط في إضعاف هذه الدول وإرغامها على الانصياع الكامل للشروط والإرادة الأمريكية.
ففي السنوات الأخيرة، شكلت محاولات السعودية لانتهاج سياسة اقتصادية ودبلوماسية مستقلة—مثل التقارب مع روسيا ضمن تحالف “أوبك بلس”، واستخدام عملات أخرى غير الدولار في تجارة النفط، فضلاً عن التنسيق والتحالف مع تكتل “بريكس” (BRICS) والصين—مصدر قلق بالغ للولايات المتحدة. وبناءً عليه، فإن تصعيد المخاطر الأمنية في مضيقي هرمز وباب المندب يبعث برسالة واضحة إلى الرياض وعواصم الخليج مفادها أن أمنها وصادراتها النفطية يظلان في خطر دائم دون مظلة الحماية العسكرية الأمريكية، وذلك بهدف وضع العراقيل أمام انضمامها إلى أي جبهة أو تكتل لا ينال الرضا والقبول الأمريكي.
أما بالنسبة للعراق، فإن تأثير هذه الاستراتيجيات والتطورات يكتسب طابعًا أكثر خطورة وهشاشة؛ إذ يُعدّ الاقتصاد العراقي أحادي المورد واقتصادًا حرجًا يعتمد بشكل شبه كلي على صادرات النفط التي تمرالغالبية العظمى منها عبر منافذ البصرة ومضيق هرمز. إن أي توتر أو إغلاق جزئي أو كلي لمضيق هرمز يعني خنق الشريان المالي الوحيد للدولة العراقية، مما يهدد بانهيار قدرة الحكومة على تمويل الموازنة العامة ودفع مرتبات القطاع العام. يُضاف إلى ذلك أن واشنطن تستغل الهشاشة الاقتصادية للعراق وفرض قيود صارمة على حركة تحويلات الدولار عبر البنك المركزي العراقي كأداة ضغط سياسي وأمني لإبقاء بغداد ضمن الفلك الأمريكي، ومنعها من الاندماج في مشاريع إقليمية أو اقتصادية مع الصين أو إيران لا تحظى بموافقة واشنطن، مما يجعل العراق في مربض الفيل وأحد أكثر المتأثرين سلبيًا بهذه المخططات.
وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، فإن استهداف الاقتصاد يتم عبر مسارين؛ يكمن المسار الأول في أزمة الطاقة، حيث اعتمدت أوروبا اعتِمادًا كبيرًا—عقب قطع علاقات الطاقة مع روسيا—على نفط وغاز الخليج الذي يمر عبر مضيقي هرمز وباب المندب. وبالتالي، فإن حدوث أي عائق في هذه المضايق يرفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية ويصيب الصناعة الأوروبية بالشلل، مما يفرض ضغوطًا شديدة على رؤوس الأموال للهروب من القارة العجوز نحو الأسواق الأمريكية التي تمتلك طاقة محلية ومستقرة. بينما يكمن المسار الثاني في أزمة الشحن واللوجستيات؛ إذ إن إجبار السفن التجارية على الدوران حول القارة الأفريقية (طريق رأس الرجاء الصالح) يزيد تكاليف الشحن بنسبة تراوح بين 30% و50%، ويؤدي إلى تأخير وصول البضائع لعدة أسابيع، مما يولد موجة جديدة من التضخم في الأسواق الأوروبية.
وعلى مستوى جنوب شرق آسيا والصين، تشكل هذه التوترات ضربة لشريان التصنيع واستيراد الطاقة؛ إذ تستورد الدول الآسيوية جزءًا هائلًا من النفط الخام من الخليج عبر مضيق هرمز، وأي تهديد لهذا المضيق يؤدي حتمًا إلى ارتفاع أسعار الطاقة داخل هذه الدول وتراجع قدرتها الإنتاجية الصناعية. يُضاف إلى ذلك أن التجارة الصناعية لآسيا المتجهة نحو الأسواق الأوروبية تمر مباشرة عبر مضيق باب المندب؛ ولذلك فإن هجمات الحوثيين في هذا المضيق وتعطل حركة الملاحة يباعدان بين الأسواق الإنتاجية الآسيوية والمشترين الأوروبيين، مما يؤدي إلى إبطاء حركة التجارة العالمية ككل.
وفي الختام، فإن افتعال التوترات العسكرية أو السماح باستمرارها في الخليج والبحر الأحمر يخدم الاقتصاد الأمريكي بطريقة غير مباشرة؛ وذلك من خلال رفع قيمة الدولار، فرض الإرادة الأمريكية على الدول المنتجة للطاقة في الخليج والعراق، وجذب رؤوس الأموال العالمية إلى الداخل الأمريكي، في وقت يعاني فيه القطاعان المنافسان—أوروبا وجنوب شرق آسيا—من أزمات ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد والتوريد.

قد يعجبك ايضا