في محراب العشق

دلزار اسماعيل رسول

الجزء السابع و الاربعون
على أعتاب الوطن…

في ظلال المساء، حين تهدأ حيرة العقل وتبدأ الروح في البحث عن أمانها الأبدي، يتجلى الحبّ ليس كسباقٍ في أدراج المجهول، بل كمرفأ يفيضُ سكوناً ورحمة… لقد كانت الأيام قبلكِ عبوراً مستمراً بين طيات القلق والتوجس، حتى أشرقتِ أنتِ في مداري، فتبدلت وحشة التمرد إلى شعور دائم بالسكينة، واستحال الشغف المبتور إلى نهرٍ من الوداد العذب الذي لا ينضب…
كنتُ أظن أن الحب خوضٌ في المغامرات الصعبة ورحلة في أفق مجهول لا يطمئن، وأن الحياة لا تُطاق إلا بتمردٍ دائم وتجوالٍ لا يهدأ… قضيتُ عمري أفرّ من الاستقرار، أبحث عن ذاتي بين ثنايا القلق والتردد، حتى أقبلتِ أنتِ على دنياي، فلانت لكِ كل أسباب الجفاء، واستكانت في حضوركِ كل ذرة تمرد كانت تسكنني…

لم تكوني مجرد عبورٍ في أيامي، بل كنتِ السكينة التي انتظرتها روحِي طويلاً… في عينيكِ رأيتُ الدفء الذي يمحو تعب السنين، وفي كلامكِ الرقيق وجدتُ الملاذ من كل خيبة قديمة… لقد جئتِ لتعيدي ترتيب نبضي من جديد، وتهديني فرصة أخرى للعيش بحبٍ نقي لا يشوبه غموض….

حين رأيتك عند باب الفندق في ذلك المساء المُشرق، لم أكن أحمل في قلبي سوى الشوق والعزم على أن أكون لكِ وحدكِ… كان عطري يسبق خطواتي، ورجائي يملأ أركان صدري… وعندما أطللتِ عليّ بثوبكِ البسيط والجميل، بدوتِ لي كأرق ما أبدع الخالق…

كان اللقاء بكِ بوابة زمنية عبرت بها سنين العمر، فكان ميقاتاً تتفتح فيه أنوار الرجاء، لتغسل ببريقها أثقال الماضي وتطوي صفحات الحزن والدفء الضائع… جئتِ بكل رقة وعذوبة الحضور، فصار لكل نبرة من حديثكِ صدى يرمم التعب، ولكل إطلالة من عينيكِ سحرٌ يعيد ترتيب النبض في أعماق الروح، وكأن الحياة بأسرها كانت تستعد لهذه اللحظة لتمنحنا بدايتها الحقيقية…

وعندما تلاقت خطواتنا في صبيحة ذلك اليوم النضير، لم تكن هناك حاجة للكلمات أو التساؤلات؛ فقد كانت القلوب تتحدث بلغةٍ أنقى وأبلغ من كل حوار… انسابت النظرات المفعمة بالوعد واليقين، واستكانت نبرات العتاب القديمة أمام طغيان هذا الحب الصادق، ليتعانق الأمل بالشوق في صمتٍ ساحرٍ أعمق من كل كلام…

كان النبضُ يحكي لغةً أنقى من كل حوار، ونبرات الوداع القديمة تذوبُ كقطعة ثلجٍ تحت شمسٍ دافئة، لتفسح المجال لعهدٍ أزليّ تتعانق فيه الأرواحُ في سكون تام، حيث لا عتابَ ينكأُ ولا جفاءَ يباعد…

لم أجد منكِ جفاءً ولا إعراضاً، بل رأيتُ في عينيكِ بريق الأمل يتلألأ، وجاء صوتكِ كمعزوفة دافئة تشيع الأمان في أرجائي…

فتحتِ لي أبواب قلبكِ بجمالٍ ورقة، وفي تلك اللحظة بالذات، اتسعت الدنيا في عينيّ، وشعرتُ بأن الحياة الحقيقية قد بدأت للتو، وأنني أخيرًا وجدتُ وطني بين يديكِ…

لم ارى سوى عاشقٍ ألقى عصا الترحال عند أعتابكِ، وروحٍ أدركت أخيرًا أن الوطنَ ليس مكانًا، بل هو أنتِ حين تستقرين في شغاف القلب إلى الأبد…

قد يعجبك ايضا