اليوم الأخير من سفرة عُمان.. انتهت الرحلة وبقيت الحكايات

 

حمدي العطار/ مسقط  

 

رحلة في المكان والإنسان

 

انتهت رحلتنا الاستكشافية إلى سلطنة عُمان لكنها لم تكن رحلة سياحية تقليدية تقتصر على زيارة الأماكن المعروفة، بل كانت رحلة مغامرة واستكشاف بحثنا خلالها عن أماكن ربما لم يفكر كثير من السياح في الوصول إليها.

 

بدأت الرحلة من سوق مطرح، ثم اتجهنا إلى بركة الموز، والجبل الأخضر وقرية السوجرة الغريبة المعلقة بين الجبال قبل أن نواصل الطريق إلى نزوى، حيث قلعتها وسورها التاريخي. ومنها انتقلنا إلى التخييم في بر الحكمان، حيث كانت لنا تجربة السباحة في مياه البحر، قبل أن نواصل رحلتنا باتجاه صلالة.

 

استقبلتنا صلالة بالضباب والرذاذ، وأقمنا فيها عدة أيام انطلقنا خلالها لاكتشاف مواقعها الطبيعية والتاريخية، فزرنا متحف أرض اللبان، ومزرعة السلطان قابوس، وبعض العيون والشلالات، ووادي دربات، واستمتعنا بركوب الزوارق وسط الطبيعة في ظفار.

 

ثم واصلنا رحلتنا إلى مناطق أخرى في محافظة ظفار، فزرنا شعت وصرفيت وضلكوت، واكتشفنا جمال الطبيعة في أقصى غرب السلطنة، قبل أن نعود إلى مسقط استعداداً للعودة إلى بغداد.

 

وقبل مغادرتنا عُمان، كانت لنا جولة مسائية في سوق مطرح، ثم زيارة صباحية إلى جامع السلطان قابوس الكبير، الذي كان بمثابة المحطة الأخيرة في رحلتنا، وربما الأكثر ارتباطاً بفكرة عُمان التي حاولنا اكتشافها طوال أيام السفر.

 

جامع السلطان قابوس… حين تتحول العمارة إلى رسالة

 

لا تزال ذاكرتي تحتفظ بزيارتي الأولى إلى هذا المعلم الحضاري والديني عام 2018. وقد تجددت تلك الذكريات وأنا أدخل الجامع مرة أخرى، الذي ارتبط تصميمه باسم المهندس العراقي محمد مكية، أحد أبرز المعماريين العرب.

 

يقع الجامع في منطقة بوشر، ويعد من أبرز المعالم المعمارية والدينية في مسقط. ومنذ اللحظة الأولى لدخول المكان يشعر الزائر بأن العمارة هنا لا تؤدي وظيفة دينية فحسب، وإنما تقدم أيضاً صورة متكاملة عن الذوق الفني العماني والإسلامي.

 

تحيط الحدائق بمبنى الجامع فتمنحه فضاءً أخضر تتداخل فيه الأشجار والزهور بينما يكسو الرخام أجزاء واسعة من المبنى، وتظهر على الجدران والأروقة والزوايا زخارف هندسية دقيقة، إلى جانب الأقواس والعناصر المعمارية المستوحاة من الفنون الإسلامية والعربية.

 

واللافت أن الزائر لا يشعر بوجود انفصال بين الدين والجمال فالحدائق والأروقة والزخارف والرخام والقبة والثريات تتآلف جميعها لتصنع فضاءً معمارياً متكاملاً.

 

ومن أبرز ما يلفت الانتباه داخل الجامع السجادة الكبيرة التي اشتهرت بضخامتها ودقة صناعتها وتعقيد زخارفها، إلى جانب الثريات التي تضفي على الفضاء الداخلي جمالاً وهيبة، وفي مقدمتها الثريا المركزية المتدلية من قبة الجامع.

 

وكان حضور السياح الأجانب واضحاً في المكان، مع الالتزام بالتعليمات الخاصة بالزيارة واللباس المحتشم، بما يعكس انفتاح الجامع على الزائرين من مختلف الثقافات مع المحافظة على خصوصية المكان وقدسيته. وهنا تبدو العمارة وكأنها لغة أخرى للحوار، فهي لا تشرح الإسلام بالكلمات، وإنما تقدم جانباً من حضارته وفنونه وجمالياته.

 

الحلوى العمانية… مدخل إلى الحوار

 

لكن المفاجأة الأجمل لم تكن في مبنى الجامع وحده. لفت انتباهنا عدد من الشباب الذين كانوا يتحدثون باللغة الإنكليزية مع السياح والزائرين الأجانب. اقتربنا منهم، فعرفنا أن هناك مركزاً يهتم بالتعريف بالإسلام وفتح باب الحوار مع الزائرين من مختلف الثقافات.

 

ما إن جلسنا حتى قدموا لنا الحلوى العمانية مع القهوة. وكانت الحلوى لذيذة ولا سيما النوع الداكن منها وهي واحدة من أشهر الحلويات التقليدية في عُمان. ولم تكن الحلوى بالنسبة إلينا ضيافة عابرة فحسب، فقد تحولت إلى مدخل لطيف للتعارف والحديث. فالطعام في كثير من الثقافات، ليس فقط حاجة يومية وإنما لغة إنسانية تستطيع أن تتجاوز الاختلافات وتفتح الطريق أمام الحوار.

 

“نحن نعرف بالإسلام من مصادره”

 

اقتربت من أحد الشباب وأجريت معه حواراً. كان اسمه لؤي بن إبراهيم خيري، وقد درس العلوم الإسلامية، ويتابع دراسته الجامعية في كلية التجارة. سألته عن طبيعة عمل المركز والهدف الذي يسعى إلى تحقيقه، فقال إنهم يعملون على تعريف المسلمين عامة، والأجانب بصورة خاصة، بحقيقة الإسلام، واستقبال الأسئلة المتعلقة بالدين والإجابة عنها، إلى جانب توزيع الكتب التي توضح قيم العدالة والسماحة في الإسلام. وأكد أن العمل تطوعي وأنهم يحرصون على أن يكون الحوار هادئاً ومبنياً على المعرفة.

 

وسألته: كيف تحاولون إقناع الزائر الأجنبي بأن الإرهاب والعنف لا يمثلان الإسلام؟ أجاب بأنهم يعتمدون في حوارهم على المبادئ الأساسية للإسلام، ومنها أركان الإسلام وأركان الإيمان، ويؤكدون أن الإسلام يدعو إلى حفظ حياة الإنسان وكرامته وأن قتل النفس بغير حق يتعارض مع هذه المبادئ.

 

ثم سألته عن بعض الأشخاص في الدول الغربية الذين اعتنقوا الإسلام ثم تحولوا إلى التطرف والإرهاب ومن أين استقوا فهمهم للدين؟ فأوضح أن المصدر الأساسي لفهم الإسلام هو القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن من المهم أن يتلقى الإنسان معرفته الدينية من مصادرها الأساسية لا من معلومات متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من مصادر مجهولة لأن المعلومات المجتزأة أو المشوهة قد تقود إلى فهم خاطئ للدين.

 

وسألته أيضاً عن بعض رجال الدين الذين يدعون إلى التطرف والعنف، فابتسم وقال إن من يدعو إلى العنف والتطرف لا يمكن أن يكون ممثلاً لقيم الإسلام التي يؤمنون بها مؤكداً أن عُمان تتمسك بالاعتدال والحوار والتعايش، وأن الاختلاف بين الناس لا ينبغي أن يتحول إلى صراع.

 

الإسلام كما يقدم بالحوار

 

وأنا أستمع إلى الشاب العُماني، بدا لي أن أهمية هذه التجربة لا تكمن في تقديم إجابات جاهزة بقدر ما تكمن في فتح مساحة للحوار. فالسائح الذي يدخل المكان حاملاً سؤالاً أو تصوراً مسبقاً عن الإسلام يجد أمامه شباباً قادرين على التواصل معه بلغته والاستماع إلى أسئلته، ومحاولة تقديم صورة عن الدين من خلال الحوار والكتب والضيافة.

 

وهنا تلتقي ثلاثة عناصر في مكان واحد: المسجد بوصفه فضاءً روحياً، والعمارة بوصفها تعبيراً عن الحضارة، والحوار بوصفه وسيلة للتقارب بين البشر. ولعل أجمل ما في التجربة أن الحلوى العُمانية التي قدمت لنا في بداية اللقاء لم تكن  طبق من الضيافة فحسب؛ فقد كانت بطريقة ما بداية لحوار إنساني هادئ.

 

غادرنا المكان ونحن نحمل صوراً للجامع وحدائقه وزخارفه، وذاكرة طيبة عن القهوة والحلوى، لكن الأهم أننا حملنا فكرة أخرى: أن مواجهة الصور النمطية لا تكون بالصدام وإنما بالمعرفة والحوار والانفتاح على الآخر.وهكذا بدا جامع السلطان قابوس الكبير، بالنسبة إلى الرحالة، أكثر من مجرد محطة سياحية في مسقط، فقد كان مكاناً تتجاور فيه العبادة والفن والضيافة والحوار، حيث يمكن للعمارة أن تتحدث، وللحلوى أن تفتح باب الصداقة، وللكلمة الهادئة أن تكون جسراً بين ثقافات وأديان مختلفة.

 

وهكذا انتهت رحلتنا إلى عُمان، لكن حكاياتها ستبقى مفتوحة على رحلة أخرى… لأن الاستكشاف الحقيقي لا ينتهي عند العودة إلى البيت، بل يبدأ عندما نحاول أن نكتب ما رأيناه، ونمنح الآخرين فرصة أن يروا المكان من خلال كلماتنا

قد يعجبك ايضا