ما لم يسأل .. قريبا” .

فراس الحمداني

لاتكمن المشكلة في شاشات القنوات التلفزيونية الفضائية العراقية في قلة البرامج او حتى في قلة الاسئلة .. بل في كثرتها .. فحين تتحول البرامج الى فترات زمنية تملأ الفراغ و الاسئلة الى واجب شكلي يسبق الاجابات التي قد يعرفها المشاهد قبل ان يسمعها فالاشكالية المهنية هنا حقيقية مخفية بالكاد يتطرق لها المعنيون .
سنوات طويلة من الحوارات التلفزيونية جعلت المشاهد العراقي اكثر خبرة في قراءة ما وراء المقابلة .. فهو يعرف متى يكون السؤال حقيقيا” .. ومتى يكون مجرد تمهيد لإجابة معدة مسبقا” .. ويعرف ايضا متى يكون الضيف مستعدا” للكلام ومتى يكون الصمت اكثر دلالة .
ولهذا يأتي الاعلان الترويجي عن برنامج (ما لم يسأل) مع باسم الشيخ على شاشة السادسة مكللا” بتحديات مختلفة .. ذلك لان هذا البرنامج لا يقدم نفسه باعتباره مساحة جديدة للاسئلة فحسب بل يضع فكرة السؤال الذي لم يطرح في مركز التجربة كلها .. (فهناك اسئلة لم تسأل بعد .. لانها اصعب من ان تقال .. وهناك اجوبة بقيت خلف الصمت تنتظر من يجرؤ على الاقتراب منها ) .. هذه العبارات تكشف بوضوح ان البرنامج يريد ان يبني هويته على منطقة لطالما كانت هي الاكثر اثارة في العمل الحواري وهي المنطقة الفاصلة بين ما يقوله الضيف وما يتجنب قوله وبين الاجابة التي يقدمها للكاميرا و الإجابة التي يمكن ان يصل اليها المحاور .
ومن هذه الزاوية يبدو اختيار اسم ( ما لم يسأل ) مميزا” متفردا” من الناحية الاعلامية والمكنون المهني .. فالاسم لا يعلن عن مضمون محدد بقدر ما يصنع فضولا” حول المضمون ويمنح كل حلقة مساحة مفتوحة للاكتشاف .. وقد تظهر مسؤولية (باسم الشيخ) في كل ما تقدم .. ولعل اعلان برنامجه يضع المقدم امام مهمة تتجاوز ادارة الحوار الى صناعة الحوار نفسه .. وهذا ليس امرا” غريبا” على تجربته الاعلامية التي ظهر فيها صحافيا” واعلاميا” ومحاورا” ومحللا” في قضايا سياسية واعلامية عراقية مختلفة وكانت له مشاركات حوارية تناولت ملفات خلافية وحساسة كثيرة .
ومع ذلك فان قوة الفكرة الاعلانية تضع البرنامج ومقدمه امام امتحان حقيقي .. فحين تقول للمشاهد انك ستبحث عن الاسئلة التي لم يسألها الآخرون فانك ترفع سقف توقعاته ولن يكفي عندها ان يكون السؤال مباشرا”ولن تكفي الجرأة وحدها
لان الاختبار سيكون في قدرة البرنامج على تقديم سؤال يبدو ضروريا بعد طرحه حتى لو لم يفكر المشاهد فيه قبل ذلك .وهذه واحدة من اصعب مهمات الحوار التلفزيوني .. وانا واثق ان الشيخ سيجعل المشاهد يقول بعد ان يسمع السؤال .. كيف لم يسأل احد عن هذا من قبل ؟ هنا يمكن ان تتحول فكرة ( ما لم يسأل ) الى قيمة تحريرية حقيقية .. وهو ما يتطلب معرفة دقيقة بالضيف والملف وقدرة على تفكيك الاجابات وملاحقة التفاصيل وعدم السماح للحوار بالعودة بسهولة الى المنطقة الآمنة.
فالضيف المحترف يعرف كيف يجيب دون ان يجيب وقد يملك عشرات الطرق للانتقال من السؤال الصعب الى مساحة اكثر راحة والمحاور المحترف هو الذي يعرف هذه المسافة ويعرف متى يعيد السؤال ومتى يغير زاوية السؤال ومتى يترك الصمت يعمل لصالحه .
لذلك فان نجاح البرنامج لن تقرره شدة المواجهة ولا عدد الاسئلة الصعبة بل نوعية الحوار الذي ينتج عنها .
ومن هنا يمكن النظر الى البرنامج بوصفه محاولة للابتعاد عن النموذج التقليدي للحوار التلفزيوني الذي يبدأ بسؤال تقليدي وينتهي بإجابة تقليدية لان ما يقوله الضيف ليس دائما نهاية القصة بل قد يكون البداية وما لا يقوله قد يكون اكثر اهمية مما قاله .. لكن بين الصمت والحقيقة مسافة لا يمكن عبورها بالاثارة وحدها .
ربما تكون شاشة السادسة على موعد مع برنامج لا يقاس نجاحه بعدد الاسئلة التي يطرحها بل بعدد الاسئلة التي يتركها في رأس المشاهد بعد انتهاء الحلقة .. ذلك لانه ببساطة يمثل السهل الممتنع بما مفاده .. ان هناك اسئلة لم تسأل بعد لانها اصعب من ان تقال .. وهناك اجوبة بقيت خلف الصمت .. تنتظر من يجرأ على الاقتراب منها .
وفي ( ما لم يسأل ) لا يتم البحث عن الاسئلة السهلة .. بل سيكون الذهاب الى ما وراء الافكار ..
في _ما لم يسأل_ مع باسم الشيخ على شاشة السادسة .. قريبا”

قد يعجبك ايضا