عندما تعصف الحياة: كيف ينقذ الدعم النفسي بينالأزواج سفينة الأسرة؟

عزيز ملا هذال

يطرح الكاتب رؤية تحليليّة تُبرز أهمية الدعم النفسيوالمعنوي المتبادل بين الزوجين، باعتباره خط الدفاعالأساسي لحماية الكيان الأسري عند مواجهةالأزمات المالية والاجتماعية والتقلبات النفسيةالعنيفة. كما يستعرض أشكاله السلوكية والعاطفيةوأثره الاستثماري في تعزيز الاستقرار وتحقيقالصحة النفسية المستدامة لجميع أفراد الأسرة فيأوقات الشدائد

حياتنا نحن البشر لا تسير على خط مستقيم، فتارةتصعد وتارة تهبط وهكذا الامر، فكل يوم نعيش لهظروفه الخاصة التي تجعله مختلفاً تماماً عما سبقةوعما سيلحقه، وفي ظل هذا التقلب نحتاج فيحياتنا من يقف معنا في اوقات ازماتنا، ولعل اولمن يبادر في تقديم العون هم الاسرة والزوجين علىوجه التحديد، فماهي انعكاسات تقديم الدعمالنفسي المعنوي بين الزوجين، وماهي السلوكياتالتي نتبعها؟

جميعنا تعرضنا ونتعرض باستمرار الى أزمات ماليةطارئة، ضغوط عمل لا تنتهي، فقدان لوظيفة، رحيلقريب، أو حتى تقلبات الصحة النفسية والجسديةكلها هزات عنيفة تختبر ثبات البيوت وتضع العلاقاتالإنسانية على المحك¬، ففي هذا الوقت تحديداًيحتاج الانسان الى الدعم المعنوي الذي يبقيه علىمستوى من الصحة النفسية لئلا ينهار نفسياً.

وتقديم الدعم يجب ان يكون بجرعات تناسب حجمونوع الازمة والطبيعة النفسية للفرد، فليس صحيحاًان يكون الدعم بنفس الكم او النوع للجميع، فازمةومصيبة احدهم تحتاج الى مستوى دعم عال، بينمايتاج المتعرض الى ازمة من نوع اخر الى دعم مننوع يناسب ازمته، على سبيل المثال ان المتعرض الىفقدان منزلة بحادث حريق لا تنفعه الكلمات الداعمةبل يحتاج الى مساعدته في اعادة اعمار المنزلوهكذا.

في علم النفس والعلاقات الأسرية يُنظر إلى الدعمالنفسي المتبادل بين الزوجين باعتباره ليسمجردمجاملة عاطفيةأو رفاهية كلامية تمارس فيأوقات الفراغ، بل بوصفه مصد الصدمات الأول وخطالدفاع الاستراتيجي الذي يحمي الفرد من التفككوالانهيار عندما يشتد الخناق، و الشريك الداعم لايغير الظروف الخارجية بالضرورة، لكنه يغير طريقةاستقبالنا لها وقدرتنا على الصمود أمامها.

ما هي اشكال الدعم النفسي؟

الدعم النفسي ليس مجرد كلام طيب، بل هو منظومةسلوكية وعاطفية وعقلية شاملة تنقسم إلى أربعةأشكال رئيسية:

الشكل الاول يتمثل في الانصات والاحتواءالعاطفي، ويعني ان تمنح الشريك المتعرض الىازمة مساحة كافية للتعبير عن احزانه ومخاوفهواحباطه وغضبه وكل مايشعر به من دون مقاطعتهوودون أن تبادر بالحكم عليه أو اتهامه بالمبالغة، وهذاالاستماع العاطفي يجعل الفرد يشعر بكونه ليسوحيداً وان شريكه يشعر بشعوره ويحاول تقليل الالمعنه.

الشكل الثاني من اشكال الدعم النفسي يتمثل فيإعادة بناء الثقة لدى المتعرض للازمة، ففي اوقاتالازمات بكل اشكالها يتسلل شعور حاد بالتقصيرويبدأ تقديره لذاته بالانهيار، وهنا يأتي دور الشريكالداعم ليذكره بذكاء بقيمته الذاتية الثابتة، وبأن هذهالأزمة ممكن ان يتعرض لها الجميع وان الحياة قائمةعلى ركني الخسارة والربح ومثلما نتقبل الربح لابدمن تقبل الخسارة او الوجع الذي فرضه الله علينالعلة هو يعرفها.

والشكل الثالث يتمثل في تقاسم الالم والعبئ الذيانتجته الازمة، اذ ان الدعم النفسي لا يكتمل إلابالأفعال الملموسة، فعندما يكون أحد الزوجين رازحاًتحت ضغط نفسي شديد، فإن تحمل الشريك الآخرلبعض المسؤوليات اليومية، مثل رعاية الأطفال أوإدارة شؤون المنزل أو تخفيف الالتزاماتالاجتماعية، يرسل رسالة شديدة الأثر مفادها لستوحدك في المعركة، أنا أحمل عنك لتقف على قدميكمن جديد.

اما الشكل الرابع والاخير من اشكال الدعم النفسيبين الزوجين فيتمثل في تحويل زاوية الرؤية المعرفيةلدى المتعرض للازمة، فمن الناحية النفسية يغيروجود السند الزوجي طريقة تفسير العقل للأزمة،وبدلاً من أن يراها العقل الباطن كـتهديد مرعبيسحق وجودي، يبدأ في رؤيتها كـ تحد صعبومتعب، لكنه امر مفروض ويمكن تجاوزه.

في الخلاصة ان متانة العلاقات الزوجية لا تقاسبالعيش بهدوء في أيام الرخاء ، بل تصقل وتظهرأصالتها الحقيقية في أوقات الشدائد والعواصف،وإن الدعم النفسي والمعنوي المتبادل بين الزوجينفي زمن الأزمات ليس حلاً وقتياً ينتهي بانتهاءالمشكلة، بل هو استثمار استراتيجي طويل الأجلفي رصيد الصحة النفسية للأسرة بأكملها.

قد يعجبك ايضا