إحتفاءً بمرور 100 عام بذاكرة قامشلو

آناهيتا حمو. كُردستان

تساؤلات مثيرة للجدل حول ذاكرة مدينة ؟
ترى ماذا بقي منها ومن سكة القطار؟
محطة تل زيوان بناها الفرنسيون ذاكرة مدينة قامشلو
في ظل الانتداب الفرنسي عام 1930 ماذا تبقى منها من إرثها الحضاري ؟
وهناك وثائق من الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي، تعود إلى عام 1924 تشير إلى أهمية مدينة قامشلو. ومطالبة الكُرد والإثنيات الأخرى الحكومة الفرنسية بحكم ذاتي
لماذا لا يتم تجديد الطلب من الدبلوماسية طالما هم جزء من ذاكرة المدينة أو جزء من الحل ؟
لابد من العودة إلى تاريخ ولادة مدينة لها أهميتها الحضارية والتاريخية تربط الشرق بالغرب كونها مدينة متعددة الإثنيات.
كانت محطة تل زيوان: رئة قامشلو الحديدية وذاكرة مدينة كانت تتنفس عبر القطار
هناك أمكنة لا تموت حين تسقط جدرانها، لأن ما يبقى منها لا يُقاس بالحجارة، بل بما تركته في ذاكرة الناس. ومحطة تل زيوان، الواقعة إلى الشرق من قامشلو، واحدة من تلك الأمكنة التي تبدو اليوم كأنها بقايا بناء مهجور، بينما كانت في زمنها عقدةً من عقد الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الجزيرة السورية.

لم تكن محطة تل زيوان مجرد رصيف يقف عليه قطار، ولا غرفة صغيرة ينتظر أمامها المسافرون. كانت جزءاً من شبكة حديدية أعادت رسم جغرافية المنطقة، وربطت الجزيرة بمدن أكبر وأسواق أبعد، وأسهمت في تحويل قامشلو من تجمع ناشئ على ضفة الجغجغ إلى مدينة تجارية ذات وزن. وفي الذاكرة المحلية، ارتبط القطار بحلب والموصل ونصيبين وبغداد، وبحركة الحبوب والبضائع والناس، حتى صار الحديد نفسه أحد الشرايين التي تنفست عبرها المدينة.

لكن قبل الحديث عن هذه الذاكرة، ثمة ضرورة تاريخية: ليس دقيقاً القول إن محطة تل زيوان بُنيت في عام 1930 تحديداً على يد الفرنسيين. فالمصادر المحلية تختلف في تحديد تاريخ إنشائها؛ بعضها يذكر 1921، وأخرى 1923، فيما تضع مصادر أخرى تشغيل محطة القامشلي في أواخر العشرينيات. كما أن السكة نفسها تنتمي إلى تاريخ أطول من الانتداب الفرنسي، هو تاريخ مشروع سكة حديد بغداد الذي بدأ في العهد العثماني بمشاركة ألمانية، ثم أصبحت أجزاء من الشبكة بعد الحرب العالمية الأولى تحت إدارة واستثمار فرنسيين. وتذكر مصادر محلية أن محطة تل زيوان كانت قائمة قبل دخول الانتداب الفرنسي إلى المنطقة.

وهذا التفصيل لا يقلل من الدور الفرنسي؛ بل يجعله أكثر وضوحاً. فالفرنسيون لم يخلقوا فكرة القطار من العدم، وإنما ورثوا شبكة استراتيجية وأعادوا تنظيم أجزاء منها، واستثمروها ضمن واقع الحدود الجديد الذي نشأ بعد الحرب العالمية الأولى.
وكان مشروع سكة حديد بغداد إلى قامشلو واحداً من أضخم مشاريع المواصلات في المشرق الحديث. هدفه ربط الأناضول وأوروبا بالعراق، وكانت حلب إحدى أهم حلقاته. وقد وصلت السكك إلى حلب قبل الحرب العالمية الأولى، ثم امتدت الشبكة باتجاه نصيبين ومناطق الجزيرة. وبعد الحرب، أعادت الحدود السياسية الجديدة تشكيل وظيفة الخط: فالخط الذي كان يُنظر إليه بوصفه طريقاً عابراً للمناطق والإمبراطوريات أصبح فجأة يمر بين دول وحدود جديدة.
وهنا اكتسبت قامشلو أهميتها.
فالمدينة التي كانت تنمو في جوار نصيبين، وعلى ضفة الجغجغ، وجدت نفسها أمام فرصة تاريخية: الحديد والحدود والنهر اجتمعت في مكان واحد.
وتشير دراسات عن نشوء قامشلو إلى أن المدينة أصبحت مركزاً اقتصادياً للجزيرة، وأن ارتباطها بحلب عبر السكة عزز هذا الدور بصورة كبيرة. كما تذكر المصادر أن القامشلي أصبحت محطة تربط المجال السوري بالشبكة المتجهة نحو العراق، وأن السكة القديمة كانت تصل في مراحلها المختلفة باتجاه حلب وبغداد.
ومن هنا يمكن فهم محطة تل زيوان ليس باعتبارها منشأة منفصلة، بل باعتبارها جزءاً من ولادة مدينة كاملة.
القطار الذي غيّر معنى المسافة
قبل السكك الحديدية، كانت المسافة في الجزيرة السورية تعني شيئاً مختلفاً تماماً.
كانت القوافل والعربات والدواب والطرق الترابية هي الوسائل الأساسية لنقل الحبوب والبضائع. وكان الوصول إلى المدن والأسواق الكبرى يستغرق وقتاً وجهداً، ويتأثر بالمواسم والأمطار وحالة الطرق والأمن.
أما القطار فغيّر المعادلة.
فجأة أصبح بالإمكان نقل كميات أكبر من البضائع في وقت أقصر، وأصبح السفر بين المدن أكثر انتظاماً. لم يعد السوق المحلي هو نهاية الرحلة؛ صار بإمكان المنتج الزراعي أن يغادر الجزيرة نحو أسواق أبعد.

وهذه هي النقطة التي تجعل الحديث عن القطار حديثاً عن اقتصاد قامشلو وليس عن وسيلة نقل فقط.
فالجزيرة كانت تتجه شيئاً فشيئاً إلى إنتاج كميات كبيرة من الحبوب، ومع اتساع النشاط الزراعي احتاجت المنطقة إلى وسيلة تستطيع نقل الإنتاج بكفاءة إلى مراكز الاستهلاك والتجارة.
وتوضح الدراسات المتعلقة بالتراث الاقتصادي للجزيرة أن أهمية النقل الحديدي لم تكن في نقل الركاب فقط، بل كان نقل البضائع هو الجانب الاقتصادي الأهم في شبكات السكك السورية.
ومن هنا يصبح القطار أقرب إلى شريان اقتصادي منه إلى مجرد وسيلة مواصلات.
قامشلو وحلب: طريق اقتصادي قبل أن يكون طريقاً للسفر
حلب كانت مركزاً تجارياً وصناعياً كبيراً، ذات أسواق واسعة واتصالات متعددة بالموانئ والداخل والأناضول والعراق. ولذلك كان اتصال الجزيرة بها يعني فتح نافذة اقتصادية على عالم أوسع.
وكانت قامشلو، بحكم موقعها، قادرة على أن تلعب دور الوسيط بين إنتاج الجزيرة والأسواق الخارجية.
وهكذا لم تعد قامشلو مدينة على هامش الجغرافيا؛ أصبحت محطة داخل شبكة.
وتشير دراسات تاريخ تشكل الجزيرة السورية إلى أن قيام السكك وارتباط قامشلو بحلب كان من العوامل التي عززت تحولها إلى مركز اقتصادي للمنطقة.
وفي الختام، فإن إنقاذ محطة تل زيوان ليس إنقاذ مبنى مهجور ؛ إنه إنقاذ صفحة من تاريخ قامشلو الاقتصادي والاجتماعي، وتوثيق لمرحلة انتقلت فيها الجزيرة من عزلة الطرق الترابية إلى زمن الشبكات والسكك والأسواق العابرة للحدود.

إنها ليست محطة قطار
إنها شاهدة على ولادة مدينة.

قد يعجبك ايضا