مستقبل الحشد في العراق: بين مؤسسة الدولة ومنطق المقاومة

انس الشيخ مظهر

بعد أكثر من عقد على تأسيسه، لم يعد الحشد الشعبي مجرد تشكيل عسكري نشأ في ظرف استثنائي فرضته مواجهة تنظيم داعش، بل تحوّل إلى مؤسسة رسمية أُقرّ قانونها في جلسة برلمانية بعد مساومات سياسية بين الأطراف العراقية. هذا الانتقال من تشكيل شعبي إلى مؤسسة رسمية وضعه أمام تحديات أكثر تعقيدًا لا يزال يدفع ثمنها حتى اليوم. فالأسئلة المطروحة حوله لم تعد تقتصر على أي الفصائل المنضوية تحته تمثّل “الحشد” وأيها تمثّل “المقاومة” – فهذا سؤال كان يمكن طرحه في مرحلة سابقة – بل باتت تدور حول وجود هذه الهيئة نفسه، وطبيعة مهامها المستقبلية إن بقيت، ومصدر الأوامر التي تتحرك بموجبها.
من قوة استثنائية إلى مؤسسة دائمة
يترك مسار تشكّل الحشد حقيقة لا يمكن تجاهلها: فقد تكوّن من فصائل متعددة ذات خلفيات سياسية وعقائدية ومرجعيات مختلفة، أُريد لها أن تجتمع تحت هيئة واحدة دون خطوط عريضة واضحة تنظّم عملها، إذ تُرك لكل فصيل الاحتفاظ بمرجعيته وقياداته وتوجهاته السياسية الخاصة. من هنا نشأت المعضلة الجوهرية: هل يكفي الإطار القانوني وحده لصنع قرار عسكري موحّد؟
سنّ القوانين ليس بالأمر الصعب، لكن المعضلة تكمن في ترجمتها إلى واقع سياسي وأمني فعلي، وهو ما تكشفه تجربة العقد الماضي والتي برهنت على ان الحشد ليس كتلة واحدة. فهناك أطراف تنحصر وظيفتها في الجانب العسكري والأمني بما يتوافق مع الدستور العراقي، وأخرى تتبنى خطًا سياسيًا مرتبطًا بجهات إقليمية، خصوصًا في ما يتصل بالصراع الأمريكي – الإسرائيلي مع إيران ومفهوم “المقاومة” – وهو توجه يتعارض مع نصوص دستورية تمنع أي انحياز سياسي لدى القوات الأمنية، فكيف إذا كان هذا الانحياز مرتبطًا بدولة أخرى ذات أولويات قد تختلف عن أولويات الحكومة العراقية ومصلحة شعبها؟
ولإنصاف الصورة، لا يصح تصنيف كل طرف يتبنى خطاب “المقاومة” بأنه مرتبط بإيران، أو افتراض أن كل تحرك عسكري له يصدر بقرار إيراني. فعلاقة هذه الأطراف بطهران تتفاوت من طرف لآخر، وتتداخل فيها روابط عقائدية وسياسية وتاريخية وعسكرية إلى جانب حسابات ومصالح عراقية داخلية بحتة، لا سيما أن بعض هذه الأطراف بات لاعبًا أصيلًا في النظام السياسي العراقي، له جمهوره وشبكاته ومصالحه المحلية. لذلك فالسؤال الأدق ليس ما إذا كانت هذه الأطراف تقاتل من أجل إيران، بل ما هي حدود استقلال قرارها العسكري حين تتقاطع أجندتها العراقية مع أجندات إقليمية متعاطفة معها أو مرتبطة بها؟
حدود التأثير الإيراني على قرار الفصائل
لا يمكن استشراف مستقبل الحشد دون دراسة علاقته بإيران، التي تمثّل عاملًا مؤثرًا في البيئة التي نشأت فيها بعض الفصائل المسلحة، عبر روابط تاريخية وعقائدية وسياسية وعسكرية وثيقة مع عدد من القوى العراقية. غير أن اختزال هذه العلاقة بكلمة “تبعية” لا يفي بتعقيد المشهد الراهن، فالقوى التي اعتمدت بدرجات متفاوتة على دعم خارجي تحوّلت مع الوقت إلى قوى سياسية وعسكرية واقتصادية قائمة بذاتها داخل العراق، استطاعت بناء اكتفاء مالي عبر وسائل متعددة – بعضها مشروع وبعضها غير مشروع – وباتت لها مصالحها وحساباتها المحلية المستقلة.
بمعنى آخر، العلاقة بين الفصائل المسلحة العراقية وطهران ليست علاقة أحادية الاتجاه بالضرورة: فقد تؤثر إيران في هذه القوى وتتقاطع معها في الرؤية الإقليمية، لكن يُفترض أن تبقى قراراتها محكومة ببيئة عراقية لها حساباتها الخاصة. ولهذا فإن فهم مستقبل فصائل الحشد يستوجب التمييز بين ثلاثة مستويات متمايزة: التقارب السياسي والعقائدي، والتأثير الإقليمي، والقرار العسكري المباشر – إذ إن الخلط بينها يفضي إلى استنتاجات مبسطة لا تعكس تعقيدات الواقع العراقي.
من هنا يبرز السؤال الأخطر الذي يمثّل جوهر الإشكالية: ماذا يحدث إذا دخل العراق أزمة إقليمية، واتخذت الحكومة موقفًا يهدف إلى إبقائه خارج المواجهة، بينما ترى أطراف مسلحة داخل الحشد أن عليها التزامًا بمواجهة طرف خارجي؟ عندها لا تعود المسألة خلافًا سياسيًا عابرًا، بل تتحول إلى اختبار حقيقي لسيادة الدولة. فإذا كان الحشد جزءًا من القوات المسلحة العراقية، فمن المفترض أن يكون قراره العسكري تابعًا للدولة وللقائد العام للقوات المسلحة. وقوة الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد قواتها أو حجم موازنتها العسكرية فحسب، بل بقدرتها على تحديد من يملك حق استخدام القوة المسلحة – ومن هنا يرتبط مستقبل الحشد ارتباطًا مباشرًا بمستقبل مفهوم الدولة ذاته في العراق.
أربعة سيناريوهات لمستقبل السلاح والقرار
يصعب تصوّر تفكيك الحشد الشعبي بشكل مفاجئ، بعد أن تحول إلى مؤسسة رسمية تضم تشكيلات مسلحة وامتدادات سياسية وإدارية ومالية. لكن الاعتراف بوجوده القانوني لا يعني أن وضعه الراهن يمثّل صيغة نهائية ومستقرة لعلاقة الدولة بالسلاح. فالمشكلة ليست في اسم “الحشد”، بل في الفصائل المنضوية تحته التي تفتقر إلى ولاء موحد ورؤية سياسية مشتركة، وهو ما يضع قدرة الدولة على فرض قيادة موحدة عليها موضع اختبار دائم، خصوصًا في أوقات الأزمات.
* السيناريو الأول: استمرار الوضع الراهن يبقى الحشد مؤسسة رسمية مع استمرار التفاوت بين مكوناته من حيث النفوذ والاستقلالية والارتباطات السياسية والعقائدية. قد تبدو المؤسسة موحدة قانونيًا وإداريًا، لكن الواقع أكثر تعقيدًا، إذ تحتفظ بعض الفصائل بقياداتها وهياكلها ونفوذها الخاص، ما يبقي مسألة القرار العسكري الموحد رهن اختبار مستمر. قد يصمد هذا الوضع في الظروف الاعتيادية، لكنه يصبح أشد خطورة عند وقوع أزمة إقليمية أو تعارض الأوامر الحكومية مع حسابات بعض الفصائل، عندها يُطرح السؤال الحاسم: من يملك القرار الأخير، الدولة أم القيادات الفصائلية؟ استمرار هذا النموذج يعني عمليًا بقاء إشكالية تعدد مراكز القرار المسلح، حتى لو ظلت هذه القوى تحت مظلة قانونية واحدة.
* السيناريو الثاني: إعادة الهيكلة ربما تكون الخطوة الأكثر واقعية على المدى المتوسط، شرط ألا تقتصر على إعادة توزيع المناصب أو تبديل أسماء التشكيلات، بل تشمل إعادة تنظيم الحشد على نحو يقلّص تدريجيًا استقلالية الفصائل ويجعل ارتباطها بالدولة أكثر وضوحًا: توحيد أنظمة القيادة والانضباط، وتقليص ازدواجية الهياكل، وإعادة النظر في مواقع القيادات المرتبطة تاريخيًا بالفصائل، بحيث يصبح القرار العسكري أوثق ارتباطًا بالمؤسسة الرسمية وأقل ارتباطًا بالقيادات السياسية أو العقائدية. غير أن هذه الخطوة تبقى محدودة الأثر إذا احتفظت الفصائل بقادتها الفعليين وبقدرتهم على إصدار توجيهات مستقلة لعناصرها؛ لذا ينبغي أن تكون إعادة الهيكلة خطوة نحو إلغاء مراكز القيادة الموازية للدولة، لا مجرد إعادة ترتيبها.
* السيناريو الثالث: الدمج الحقيقي يعني الانتقال من إعادة تنظيم الفصائل إلى إنهاء استقلالها العسكري الفعلي، بحيث لا يكفي أن تصبح جزءًا من مؤسسة رسمية مع احتفاظها بقياداتها ومرجعياتها الخاصة، بل يتحول أفرادها إلى عسكريين يخضعون لسلسلة قيادة وطنية واحدة، ويتلقون أوامرهم من قادة عسكريين رسميين لا من قياداتهم الفصائلية أو العقائدية السابقة. يتطلب هذا إبعاد القيادات الحالية عن مواقع القيادة العملياتية، وإسناد المسؤوليات وفق الكفاءة والرتبة والمعايير العسكرية، مع توحيد التدريب والعقيدة والانضباط والتسليح ونظم العمليات، وفصل واضح بين العمل السياسي والعمل العسكري بحيث لا يستطيع أي طرف سياسي أو عقائدي توجيه قوة مسلحة خارج التسلسل الرسمي للدولة.
* السيناريو الرابع: حل التشكيلات وضم الأفراد إلى الجيش وهو الخيار الأكثر جذرية، إذ تُنهى الصفة الفصائلية للتشكيلات كليًا، ويُعاد تقييم كل فرد على حدة وفق معايير مهنية وقانونية، ثم يُضم من تنطبق عليه الشروط إلى الجيش أو الأجهزة الأمنية بحسب الاختصاص والحاجة، دون أن تنتقل القيادات الفصائلية تلقائيًا إلى مواقع قيادية، بل تخضع بدورها لمعايير الرتبة والخبرة والسجل المهني. الهدف هنا ليس إعادة إنتاج الفصائل داخل الجيش بأسماء جديدة، بل إنهاء البنية التي تسمح أصلًا بوجود قيادة مسلحة موازية للدولة. تطبيق هذا السيناريو أكثر تعقيدًا سياسيًا وأمنيًا، إذ يستلزم اتفاقًا على مصير العناصر وآلية واضحة للتقييم والاستيعاب، وضمانًا بعدم استخدام عملية الدمج لإعادة تشكيل الفصائل داخل الجيش، فضلًا عن إرادة سياسية قادرة على مواجهة القيادات التي قد ترى في إنهاء التشكيلات تهديدًا لنفوذها. وفي حال نجاحه، فقد يكون الأكثر حسمًا للعلاقة بين السلاح والدولة، لأنه لا يكتفي بتوحيد القيادة، بل ينهي الأساس التنظيمي الذي يسمح بوجود قوة مسلحة ذات هوية مستقلة عن المؤسسة العسكرية الرسمية.
ما الذي سيحسم أي سيناريو؟
لن تحدد بغداد وحدها مستقبل الحشد. فالتحولات في العلاقة العراقية – الأمريكية، ومسار العلاقة مع إيران، وطبيعة الصراع الإقليمي، ومستوى التهديد الإرهابي، عوامل ستؤثر جميعها في شكل المؤسسة ودورها. ويبقى العامل الحاسم داخليًا هو قدرة الدولة العراقية على فرض قرار عسكري موحد. فإذا استمرت البيئة الإقليمية التي تمنح بعض الفصائل مبررات سياسية وأمنية للتحرك المستقل، سيظل تغيير بنية الحشد أمرًا بالغ الصعوبة. أما إذا تراجعت التهديدات التي استُخدمت لتبرير بقاء التشكيلات المسلحة، فسيصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ما الوظيفة التي تبرر استمرار أي قوة مسلحة خارج الاستخدام الذي تحدده الدولة؟
2030: الاختبار الحقيقي
حتى عام 2030، تواجه الدولة العراقية اختبارًا جوهريًا لقدرتها على تحويل قوة نشأت في ظروف الحرب إلى جزء من منظومة أمنية تخضع كليًا للقرار الوطني. وسيرتبط النجاح بقدرة الحكومة على فرض سلسلة قيادة واضحة، وفصل العمل السياسي عن العسكري، وتقليص نفوذ القيادات الفصائلية داخل المؤسسة الأمنية، وحسم العلاقة بين الحشد وبقية القوات المسلحة، إضافة إلى قدرة بغداد على إدارة النفوذ الإقليمي والصراعات المحيطة بالعراق. لكن الاختبار الأكبر سيظهر عند الأزمات: ففي الظروف الاعتيادية يمكن أن يبدو الجميع جزءًا من مؤسسة واحدة، أما حين تندلع حرب إقليمية، أو تتعرض مصالح دولة أجنبية لهجوم داخل العراق، أو يفرض الموقف العراقي قرارًا بالحياد، فسيُطرح السؤال بصورة لا تحتمل التأجيل: هل يستطيع الحشد أن يتصرف كمؤسسة عراقية واحدة، أم أن تعدد القيادات والولاءات سيعيد إنتاج تعدد القرارات؟

قد يعجبك ايضا