شيار خليل
ثمّة مصادفة شديدة المركزية في الذاكرة الحيّة للشعب الكوردي في التعبير عن قضيته السياسية؛ وهي مصادفة اتفاقية سيفر وتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني وميلاد الرئيس مسعود بارزاني، في شهر واحد وبفارق أيام؛ هذه المصادفة تعيد طرح سؤال أساسي في القضية الكوردية: ماذا بعد سيفر؟ وماذا قبله؟
في ذاكرة الكورد السياسية، تُقرأ معاهدة سيفر عام 1920م بوصفها الحجر الأساس الذي وُضع لتشكيل دولة كوردية تضم أجزاءها التي كانت تحت سلطة الدولة العثمانية، وكيف أن هذا الحق سُلب لاحقاً في اتفاقية لوزان، رغم أن أكثر ما هو طبيعي في تلك المرحلة أن تتمكّن الدولة التركية الحديثة من تجاوز فكرة الدولة الكوردية، وأسهل ما يمكن أن تتخلّى عنه دول الحلفاء هو هذا المطلب، الذي ارتبط جوهرياً بشكل الحدود السياسية لدول المنطقة. لكن لماذا؟
من نافل القول إن ثمة مجموعة من الأسباب الرئيسية التي يمكن أن يُحال إليها هذا التراجع الغربي عن فكرة دعم نشوء كيان كوردي على غرار الكيان الأرمني أو الكيانات العربية اللاحقة، التي كانت ولايات عثمانية قبل النظام الدولي الحديث. فقط كانت هذه الاتفاقية في اللحظة الأولى لتشكّل أو تطوّر الوعي القومي الكوردستاني بهويته السياسية والقومية، ولم تكن قد تطورت بعد لإنتاج منظومات فكرية سياسية وتنظيمات قادرة على فرض شروط تفاوضية دولية أو حضور بالمستوى الذي كانت فيه تركيا تستطيع تقديم نفسها وحضورها وقوتها.
وخلال تلك الفترة والسنوات اللاحقة لها، كانت الحركة القومية الكوردية تعيش حالة «رد الفعل» على منعها من دولتها الكوردية: انتفاضات جغرافية محدودة، وثورات سريعة غير منظمة، ورغبات في تشكيل كيانات ضمن جغرافيات عشائرية ومناطقية، ومحاولات استقلال ذاتي في مناطق جبلية عليا يصعب الوصول الرسمي إليها. لكنها، بمجملها، كانت تفتقد إلى شيئين أساسيين: الأول هو التنظيم السياسي الذي يقود هذا الحراك؛ فعلى الرغم من أن انهيار الدولة العثمانية أتاح للكورد تنظيم أنفسهم في جمعيات ثقافية في إسطنبول، وتجمعات سياسية مثل خويبون في لبنان وسوريا وكوردستان، وغيرها، فإنها بمجملها كانت تفتقد إلى الديمومة، وكانت الطبائع الاجتماعية والعشائرية الكوردية تتحكم في مفاصلها. والثاني أن كل هذه الحركات العسكرية والانتفاضات الكوردية لم تكن صاحبة برنامج سياسي واضح؛ وبقراءة بسيطة يمكن استنتاج أن الثورة قامت، لكنها حددت نفسها في جغرافية مغلقة ومنطقة واحدة، دون أن تقرأ الظرف الكوردي العام.
على هذا المستوى بالضبط، ودون التقليل من الأهمية الكبرى لجمهورية كوردستان في مهاباد، وما حققته على مستوى الثقافة والسياسة والرموز القومية الكوردية، إلا أنها أيضاً كانت محدودة الجغرافية والمكان؛ فحتى هي لم تكن قد غطّت كوردستان الشرقية كلها، وكان أثرها الذي وصل إلى أجزاء كوردستان الأخرى محدوداً للغاية، رغم الإسهامات الكبيرة للبارزانيين كخط دفاع أول عن الجمهورية بعد انتفاضتي بارزان الأولى والثانية.
في الأثناء، في جمهورية كوردستان، وفي مثل هذه الأيام، حدث أمران سيعيدان تعريف القضية الكوردية، ويثبتان برنامجها وحضورها السياسي، ويقومان بالنواقص التي ظهرت منذ عشرينيات القرن الماضي؛ الأول تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة الأب الروحي للشعب الكوردي، ملا مصطفى بارزاني، والثاني ميلاد الرئيس مسعود بارزاني.
والحال أن إعلان الحزب الديمقراطي الكوردستاني حزباً قومياً كوردياً يدافع عن حقوق وتطلعات الشعب الكوردي في أجزاء كوردستان، أعاد تعريف القضية الكوردية بوصفها قضية أرض وشعب، وأعاد وضعها في مكانتها السياسية التي يتيح لها التنظيم السياسي القومي. فالحزب الديمقراطي، حين أطلق ثورة أيلول الكبرى، كان بالنسبة إلى الأجزاء الأخرى من كوردستان ممثلاً لها ولتطلعاتها؛ لذا شارك الكورد في أجزاء كوردستان الأربعة في الثورة ودعموها، وكانت المرة الأولى التي يمكن فيها أن ترى مقاتلاً من عفرين، وآخر من أورمية وآمد، يقاتل في دهوك أو هولير. هذا التواصل القومي الكوردستاني أفضى إلى تمكّن الثورة من تحقيق أهدافها، وأحست الدول التي قسمت كوردستان بينها بخطورتها؛ لذا كان من الطبيعي أن تكون الطائرات وألوية الجيوش العراقية والإيرانية والتركية والسورية في قلب معركة واحدة ضد بيشمركة ثورة أيلول، وكان من الطبيعي أن تجدها مهزومةً.
وفي مطلق الأحوال، كانت المراحل اللاحقة، بعد اتفاقية الجزائر والمؤامرات التي تعرض لها الشعب الكوردي، في مكانة سياسية أبرز؛ فقد قاد الرئيس مسعود بارزاني وإدريس بارزاني الكورد في ثورة گولان، التي بدأت شرارتها قبل رحيل الأب الروحي للشعب الكوردي ملا مصطفى بارزاني وبتوجيهاته، وصمد أمام مواجهات الإبادة الجماعية على يد نظام صدام حسين البائد، وقاد ثورة شعب كوردستان عام 1991، والبرلمان الكوردي الأول، وتثبيت حقوق الشعب الكوردي في الدستور العراقي الجديد، والقضاء على تنظيم داعش، وبعد كل ذلك قاد استفتاء الاستقلال، الذي رسم مسار حق تقرير المصير الكوردي وحقق وثيقته التاريخية.
نجح الرئيس مسعود بارزاني في تدويل القضية الكوردية؛ ففي حين كانت الدول التي تقسم كوردستان تسعى إلى تقويض الحق الكوردي واعتبار الحقوق الكوردية مشاكل ثقافية ومحلية، تمكّن الحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة الرئيس مسعود بارزاني من تدويل القضية الكوردية ووضعها على طاولة القرار الدولي، وحوّلها إلى مركز استقرار لا يمكن تجاوزه.
زد على ذلك مركزية القرار الكوردي ومرجعيته؛ فقد باتت للقضية الكوردية في كوردستان سوريا مكانة سياسية بارزة، ومرجعية يقودها الرئيس مسعود بارزاني بدوره الإيجابي في تحقيق حقوق الشعب الكوردي في سوريا، وهذا ما تجلّى بوضوح في الاتفاقات السياسية بين الأطراف الكوردية والحكومة السورية الانتقالية، وبالمستوى ذاته دعم عملية السلام بين حزب العمال الكوردستاني والحكومة التركية، ودعم حقوق الكورد في كوردستان إيران وتوفير الملاذ الآمن لهم؛ ولم يعد غريباً أن تأتي عواصم القرار الغربية إلى أربيل، ومقر البارزاني، لمناقشة الحقوق الكوردية في سوريا أو تركيا أو العراق، بوصفها العاصمة السياسية لكل الكورد ومرجعها الرئيس مسعود بارزاني.
هكذا، بهذا المستوى، منح شهر آب الكورد حق الدولة وسلبها منهم لاحقاً، ومنحهم أيضاً تشكّل وعيهم السياسي والقومي الأول؛ ذلك الوعي الذي، لو كان قد توفر قبل سيفر، لحضر الكورد المعاهدة بوصفهم دولة، لا مشروعاً سياسياً للتفاوض!