نومة أصحاب الكهف في العراق

لطيف دلو

الواقعة حدثت في الثمانينات القرن الماضي كنت جالسا على مصطبة خشبية جاءني صديق سلم علي وجلس بجانبي رأيته متعبا شاحب الوجه كانه حامل هموم الدنيا فأستغربت منه لان كان انسانا مرحا ومازحا لم اراه يوما متجهما فسألته عن حالته الصحية وقال –

بالامس راجعت مصرف العقاري واستلمت صك السلفة لاكمل بناء بيتي واتخلص من الحل والترحال وأستقر وذهبت لاسلم الصك واستلم المبلغ ودخلت صف الانتظار مع الاخرين ولكن كان الوقت حرجا على وشك إنتهاء الدوام وأمامي سلم الصك وذهب لاستلام السلفة وسد الموظف النافذة من غير عادة ورايته يلملم اوراقه ويراجع حساباته وطرقت النافذة لاطالبه المساعدة ليستلم الصك مني وفتحها فهو سبقني وطلب المساعدة مني وقال لست الوحيد وخلفك اكثر من عشرة اشخاص والدوام انتهى ولا مجال لصرف الصكوك ، راجعنا صباح الغد لاستلام السلفة وكان جوابه محقا فعلا ولو كنت محله لفعلت ذلك ونسيت بأن كل شيء لدينا يانصيبا وليس إستحقاقا .

رجعت الى البيت متعبا وفاض اليدين واخذت تعلولة عميقة وعندما حان الليل لم اذق النوم كأني في ليلة القدر لكثرة حساباتي في كيفية صرف السلفة وعن ما يبقى من المبلغ بعد تسديد الديون وأضرب الاخماس بالاسداس لاكمال نواقص البيت الى مطلع الفجر وذهبت الى المصرف ووصلت قرابة الساعة العاشرة فشعرت بان هناك تغييراكبيرا كأننا نعيش في عصر أخر ، لا احد امام نافذة الاستلام ولا الموظف خلفها ولا ذلك الازدحام بالامس فأنتظرت قليلا الى ان جاء موظفا لم يكن ذلك الشخص الذي تكلمت معه بالامس وفتح النافذة وقدمت له الصك فامعن فيه ورفع راسه ونظرإلي بإستغراب شديد كأني من عصر أخر وقال اين كنت بالامس يا أخي (انشالت السلف) انقطعت انفاسي وشعرت بصدمة عنيفة وإغماء بلا شعور وقلت له بما خطر على ذهنى ، يا اخي أنا لست من افراد اصحاب الكهف ، البارحة كنت ادنى من قاب قوسين من استلام السلفة وحالت بيننا لحظة إنتهاء الدوام والليلة لم اذق النوم الى الفجر ولكن اشعر فعلا باني غريب وفي عالم وعصر اخر كما حصل لاصحاب الكهف ، وقال إنشاءالله تعيش وتستلم وسلمني الصك وسد النافذة والى اليوم لم استلم السلفة وأحتفظت الصك كشاهد على العصر .

بعد قحط ومجاعة وجور واستبداد توالت الاحداث الى أن اوصلنا الدهر الى عصر اخر أملا بألامان والاستقرار كما استيقض أصحاب الكهف على عصر الايمان بالله والحكم العادل فاماتهم الله وبنوا عليهم مسجدا ولكن نحن خرجنا من العسر أحياءا املا باليسر فبنوا الحكام علينا طوقا بحيتان الفساد وهم في بحبوحة الحياة وأنغمسوا في الرشوة والاختلاس والسرقة الى حد لم يسبق له المثيل وجعلوا العراق في ذيل الدول الفاسدة واناس لايملكون المؤهلات قد اصبحوا اصحاب شركات ومعامل او في مناصب او رتب عليا وظهور القاب عشوائية من الشيوخ والاغوات ونالت هذه التغيرات من العادات والتقاليد والود والتاخي نصيبا كبيرا نحو التفكك وإنعدام الامن والاطمئنان وإضعاف ايمان الفرد بالمواطنة

في عصر العلم والمعرفة لا يمكن إحتكار السلطة بشراء االذمم باموال الدولة ولا بسفك الدماء ولا بالتهديدات والشعارات الفارغة ولا بالمحسوبية والمنسوبية وإختصارا لا بالخبر ولا بالعصا كما جرى في هذه الدولة الى يومنا هذا ، بل بالنزاهة والاخلاص والمساوات والشخص المناسب في المكان المناسب بشرط الكفاءة والمؤهلات بعيدا عن المحاصصة لتاسيس عراق جديد ليكون اول دولة نامية فيها يقف المسؤل والسائل معا امام الافران وفي المولات امام المحاسب والمشي مع الناس في الاسواق وركوب الباصات العامة في عراق لايصح فيه الا الصحيح ولا يدوم فيه الا القويم .

قد يعجبك ايضا