عرفان الداوودي
هناك رجالٌ لا تُقاس قيمتهم بعدد المناصب التي شغلوها، ولا بالألقاب التي حملوها، وإنما بما تركوه من أثرٍ في ذاكرة الوطن وتاريخ الأجيال.
ومن هؤلاء الرجال يبرز اسم الأستاذ فلاح مرزا محمود أردلاني، البطل العراقي الدولي، الكردي الأصل، وأحد أبرز أعلام الملاكمة العراقية والعربية والآسيوية والدولية، الذي أمضى أكثر من نصف قرن من عمره في خدمة الرياضة ورفع اسم العراق في المحافل الرياضية.
كان فلاح مرزا أكثر من مجرد ملاكم يدخل الحلبة بحثاً عن الفوز؛ فقد كان يدخلها حاملاً اسم العراق، ومدافعاً عن رايته، ومؤكداً أن الموهبة العراقية قادرة على الوقوف في مواجهة كبار أبطال العالم.
من الأعظمية بدأت الحكاية
بدأ مسيرته الرياضية عام 1961 في نادي الأعظمية بإشراف المدرب مضر محمود سيرت، ثم انتقل إلى نادي الشرطة تحت إشراف المدرب الهولندي المستر توم، وهناك بدأت موهبته الرياضية تتبلور وتتجه نحو البطولات والمنافسات الدولية.

كان من أبرز أبطال وزن الديك، وتميز بأسلوب هجومي سريع، ولياقة بدنية عالية، وقوة تحمل كبيرة، فضلاً عن مهارة فنية جعلته من الملاكمين الذين يصعب على خصومهم قراءة أسلوبهم.
وكان يتقن اللكمات القوية، ومنها لكمة المطرقة والخطاف الطويل، الأمر الذي جعل نزالاته محط أنظار الجمهور والصحافة، وأكسبه احترام منافسيه قبل جماهيره.
«العملاق العراقي» في القاهرة
ومن أبرز المحطات الخالدة في مسيرته النزال التاريخي الذي جمعه في القاهرة عام 1964 بالبطل المصري والدولي محمود حمزة، بطل العالم العسكري وبطل أفريقيا، حيث تمكن فلاح مرزا من تحقيق الفوز في مواجهة أصبحت من العلامات المضيئة في تاريخ الملاكمة العراقية.
وفي أعقاب ذلك النزال، وصفت الصحافة المصرية الملاكم العراقي بأنه «عملاق عراقي»، وهي شهادة كبيرة جاءت من أرضٍ عرفت الملاكمة ونجومها، ولم تكن مجرد مجاملة، بل نتيجة لما قدمه البطل العراقي فوق الحلبة.
وكانت تلك المشاركات من أوائل المواجهات الدولية المهمة بين الملاكمة العراقية والمصرية، وشارك فيها إلى جانب فلاح مرزا عدد من خيرة الملاكمين العراقيين، منهم خليل شياع، أنور يوسف، طارق عبد الستار، خالد حسن، فاضل محسن وعلي عبد الأمير.
ثم جاءت الزيارة المصرية إلى العراق عام 1965، حيث أقيمت نزالات في بغداد والبصرة، وحقق أبطال العراق نتائج مميزة، لتؤكد تلك المرحلة أن الملاكمة العراقية كانت تمتلك أبطالاً قادرين على المنافسة عربياً ودولياً.
بطلٌ عراقي كردي الأصل.. حمل راية العراق
إن الحديث عن فلاح مرزا محمود لا يكتمل من دون الإشارة إلى جذوره؛ فهو عراقي كردي الأصل، ينتمي إلى مكوّن أصيل من مكونات الشعب العراقي، وقد جمع في شخصيته بين الاعتزاز بالجذور والانتماء الوطني الجامع.
لقد كان فخوراً بأصله، وفي الوقت ذاته حمل اسم العراق في البطولات العربية والآسيوية والدولية، ودافع عن ألوانه، ووقف على منصات المنافسة ممثلاً لوطنه بكل مكوناته.
وهكذا كان فلاح مرزا نموذجاً للعراقي الذي يعتز بجذوره، ويؤمن بأن العراق وطنٌ يتسع للجميع، وأن اختلاف الأصول لا يلغي وحدة الانتماء والوطن.
فكان كردياً في أصله، عراقياً في انتمائه الوطني، وإنساناً في عطائه، ولذلك بقيت مسيرته الرياضية ملكاً لتاريخ العراق كله.
من الحلبة إلى مواقع القيادة
لم تنتهِ مسيرة فلاح مرزا بانتهاء مشواره كلاعب، بل بدأت مرحلة أخرى أكثر أهمية، انتقل فيها من الحلبة إلى مواقع القيادة والإدارة الرياضية.
وتولى خلال مسيرته عدداً من المناصب المهمة، من أبرزها:
* رئيس الاتحاد العراقي للملاكمة.
* رئيس الاتحاد العربي للملاكمة.
* نائب الاتحاد الدولي للملاكمة عن قارة آسيا.
* عضو المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للملاكمة.
* أمين عام اللجنة الأولمبية العراقية.
* رئيس الهيئة الإدارية لنادي التجارة.
* عضو هيئة التحكيم الأولمبية في كوريا عام 1988.
وهذه المواقع لم تكن مجرد مناصب، بل كانت مسؤوليات حملها رجلٌ امتلك خبرة طويلة في الملاكمة، لاعباً وبطلاً وقائداً وإدارياً وحكماً.
اسمٌ عراقي في الملاكمة الدولية
شارك فلاح مرزا في مواجهات دولية مهمة، من بينها مواجهته مع بطل أوروبا الألماني الغربي، كما شارك عام 1967 أمام المنتخب السوري على حلبة ملعب الكشافة.
وكان من الأسماء المرشحة للمشاركة ضمن الوفد العراقي المؤهل إلى دورة طوكيو الأولمبية عام 1964، في مرحلة كانت فيها المشاركة الدولية محدودة، وكانت المنافسة على تمثيل العراق شديدة بين مجموعة كبيرة من الأبطال.
لقد كان ذلك الجيل من الملاكمين العراقيين يقاتل من أجل الشرف الرياضي واسم الوطن، بعيداً عن الامتيازات التي يعرفها الرياضيون في عصرنا.
أكثر من نصف قرن في خدمة الرياضة العراقية
فلاح مرزا محمود لم يكن بطلاً لسنوات محدودة، بل كان مشروعاً رياضياً امتد لأكثر من نصف قرن.
أعطى شبابه للملاكمة، وخبرته للاتحادات، ووقته للرياضيين، وعلاقاته الدولية لخدمة الرياضة العراقية.
عرفه من عاصروه رجلاً نزيهاً، كريماً، نظيف اليد، وصاحب مواقف، وهي صفات تبقى في ذاكرة الناس أطول من أي لقب أو ميدالية.
والإنجاز الحقيقي ليس أن تصل إلى موقع قيادي، وإنما أن تخرج منه محتفظاً باحترام الناس وسمعتك الطيبة.
الغربة لا تمحو ذاكرة الوطن
في عام 2004 غادر فلاح مرزا محمود العراق متوجهاً إلى السويد، لكنه لم يغادر وطنه في وجدانه.
فبمجرد وصوله إلى السويد، بادر إلى تأسيس أول تجمع عراقي رياضي هناك، ليؤكد أن العراقي مهما ابتعد عن وطنه تبقى الرياضة جسراً يصل الإنسان بوطنه وأبناء بلده.
واليوم، وبعد أن تجاوز الثمانين من عمره، يعيش هذا البطل العراقي الكبير في بلاد الغربة، بعد أن أفنى
رد الجميل مسؤولية وطنية
إن تكريم فلاح مرزا محمود ليس منّة من أحد، ولا فضلاً من مسؤول، وإنما هو ردٌّ لجميل رجلٍ أعطى العراق عمره وشبابه وخبرته وطاقته.
لقد رفع اسم العراق في الحلبات العربية والدولية، وتولى مواقع قيادية في مؤسسات الملاكمة والرياضة، وترك بصمة واضحة في تاريخ الحركة الرياضية العراقية.
فهل من الوفاء أن يُنسى أمثال هؤلاء بعد كل ما قدموه؟
إن الدول التي تحترم تاريخها لا تنسى روادها، ولا تترك أبطالها في آخر العمر يبحثون عن حقٍ أو تكريم.
وفلاح مرزا محمود يستحق أن يُذكر، وأن يُكرم، وأن تحفظ سيرته للأجيال القادمة، وأن يعرف شباب العراق أن من سبقوهم حملوا راية هذا البلد في أصعب الظروف وأقل الإمكانات.
فلاح مرزا.. تاريخٌ يستحق الوفاء
فلاح مرزا محمود ليس مجرد اسم في سجل الملاكمة العراقية.
إنه بطل عراقي كردي الأصل، رفع راية العراق، ومثّل بلاده في المحافل الدولية، ثم واصل خدمته للرياضة من مواقع القيادة والإدارة والتحكيم.
دخل الحلبة بطلاً، وخرج منها بطلاً، ثم واصل مسيرته قائداً ورائداً في الرياضة.
ولهذا فإن من حقه على وطنه أن يسمع اليوم كلمة وفاء صادقة:
شكراً فلاح مرزا محمود..
شكراً لرجلٍ أعطى العراق أكثر من نصف قرن من عمره.
شكراً لبطلٍ حمل اسم العراق إلى الحلبات الدولية.
شكراً لعراقيٍ كردي الأصل، كان اعتزازه بجذوره جزءاً من اعتزازه بوطنه.
شكراً لرياضيٍ لم يجعل المناصب غايته، بل جعل خدمة الرياضة رسالته.
لقد كنت بطلاً فوق الحلبة، وقائداً في ميادين الرياضة، ورجلاً في المواقف، وستبقى سيرتك صفحة مشرقة من صفحات تاريخ الملاكمة العراقية.
والوفاء للرواد ليس مجاملة…
إنه دينٌ في أعناق الأجيال، وحقٌّ لا يسقط بالتقادم.