آناهيتا حمو/ باريس
كان لابد لقلمي ان يسرد هذا المساء الصيفي الباريسي، وأترك بصمتي، وأعبّر بمقالاتي في هذا التوقيت عن ذاتي وما يجول بخاطري من خلال رحلة الكتابة.
لم تكن الكتابة بالنسبة إليّ يوماً مجرد هواية أو وسيلة للتعبير، بل كانت وما تزال طريقتي في فهم العالم، وحفظ الذاكرة، والاقتراب من الإنسان. منذ بداياتي شعرت أن الكلمة قادرة على أن تبني جسوراً بين الثقافات، وأن تمنح الصوت لمن قد لا يجد وسيلة أخرى للتعبير عن ذاته.
أنتمي إلى الثقافة الكوردية، فهو إرث من روحي أسرتي وأعتز بها بوصفها جزءاً أصيلاً من هويتي، لكنني في الوقت نفسه أؤمن بأن الأدب لا يعرف الحدود. لهذا حاولت في كل ما كتبت وترجمت أن أفتح نافذة للحوار بين اللغات والثقافات، وأن أجعل من الترجمة فعلاً إنسانياً لا يقل إبداعاً عن الكتابة نفسها. لقد كانت اللغة الفرنسية، إلى جانب اللغة الكوردية، لغتي الأم، والعربية، فضاءً آخر اكتشفت من خلاله عوالم أدبية مختلفة، وسعيت إلى نقل شيء من جمالها إلى القارئ، كما سعيت إلى التعريف بالأدب الكوردي خارج حدوده اللغوية.
في كتاباتي الشعرية أعود دائماً إلى الإنسان؛ إلى أحلامه، وخساراته، وحنينه، وإلى ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الذاكرة بالمكان. تحضر رموز نضال كوردستان، ثورة بارزان الخالد الذكر أسود جبال كوردستان والأنهار والطفولة والأم والوطن، لا بوصفها عناصر وصفية فحسب، بل باعتبارها رموزاً للحرية والانتماء والصمود. وأجد أن الكتابة تصبح أكثر صدقاً عندما تنبع من تجربة معيشة، ومن إحساس حقيقي بما يختزنه الإنسان في داخله من مشاعر وأسئلة.
كما أنني أرى في أدب الطفل مسؤولية ثقافية وأخلاقية. فالطفل هو القارئ الأول للمستقبل، ومن حقه أن يجد في الكتاب ما يغذي خياله، ويعزز قيم المحبة والتسامح واحترام الآخر. لذلك حرصت على أن تكون الأعمال التي قدمتها للأطفال قريبة من عالمهم، وفي الوقت نفسه حاملة لقيم إنسانية وجمالية تبقى معهم وهم يكبرون.
أما الترجمة، فهي بالنسبة إليّ ليست نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل هي إعادة خلق للنص في ثقافة جديدة، مع الحفاظ على روحه وجمالياته. وكل عمل ترجمته كان تجربة تعلم جديدة، وحواراً مع كاتب آخر، وثقافة أخرى، ورؤية مختلفة للعالم. أعتقد أن الكاتب لا يكتب لنفسه وحده، بل يكتب ليترك أثراً، مهما كان صغيراً، في وعي قارئ ما. لهذا حاولت أن يكون نتاجي الأدبي ومن خلال مقالاتي قريباً من الإنسان، وأن يحمل همومه وأسئلته وآماله، بعيداً عن التعقيد، وقريباً من نبض الحياة.
إن ما أنجزته حتى اليوم لا أراه محطة أخيرة، بل خطوة في طريق ما يزال مفتوحاً أمام مشاريع جديدة في الكتابة والترجمة والعمل الثقافي. وما زلت أؤمن بأن الأدب، مهما تغيرت الأزمنة، سيظل قادراً على التقريب بين البشر، وحماية الذاكرة، والدفاع عن الجمال والحرية، لأن الكلمة الصادقة تبقى دائماً الأبقى رغم مرور الزمن.