خوشناف سليمان
في الوقت الذي يتطلع فيه السوريون إلى الخروج من دائرة الحرب والانقسام وإلى تأسيس دولة جديدة تقوم على القانون والمؤسسات والمواطنة المتساوية. تظهر دعوات وممارسات تعيد إلى الواجهة لغة الصراع والتحشيد و منها فكرة نصب ما يسمى بـ ( خيمة الحرب ).
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في الخيمة بحد ذاتها. بل في الرمزية التي تحملها. فهي تعيد إنتاج عقلية الحرب في وقت تحتاج فيه سوريا إلى عقلية البناء. فبعد سنوات طويلة من الدم والدمار والنزوح. لا يمكن أن يكون الحل عبر استدعاء أدوات الماضي. أو فتح أبواب جديدة للمواجهة بين أبناء الوطن الواحد.
إن سوريا اليوم بحاجة إلى خيام للحوار. و لجان للمصالحة. ومشاريع لإعادة الإعمار و مبادرات تجمع السوريين حول مستقبل مشترك. لا إلى منصات تعبئة تهدد بإشعال صراعات جديدة. فالحرب لم تجلب لأي مكون من مكونات الشعب السوري سوى الخسارة. وأثبتت التجربة أن السلاح لا يبني دولة. وأن منطق الغلبة لا يصنع استقرارا.
الدولة وحدها مسؤولة عن إدارة الخلافات
إن وجود مؤسسات الدولة هو الضمان الوحيد لمنع الفوضى وتعدد مراكز القرار. فلا يمكن بناء دولة حديثة إذا أصبح لكل مجموعة أو طرف أو منطقة أدواتها الخاصة للضغط والتهديد خارج إطار القانون.
إن الحكومة. أيا كانت المرحلة السياسية التي تمر بها البلاد. تتحمل مسؤولية أساسية في حماية السلم الأهلي. ومنع كل أشكال التحريض والعنف. و محاسبة كل من يسعى إلى نشر ثقافة الفتنة أو الإكراه أو فرض الأمر الواقع بالقوة.
فالدولة لا تقاس فقط بقدرتها على إدارة الملفات اليومية. بل بقدرتها على حماية مواطنيها. وفرض سيادة القانون. ومنع تحويل الخلافات السياسية والاجتماعية إلى صراعات مفتوحة.
إن التساهل مع خطاب الحرب أو السماح بظهور مراكز تعبئة و تحريض خارج المؤسسات الرسمية يشكل استهتارا بخطورة المرحلة. ويضعف ثقة المواطنين بقدرة الدولة على بناء الاستقرار.
لا للمواطنة الشكلية .. نعم للمواطنة الحقيقية
وفي الوقت نفسه. فإن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يقوم على تجاهل المظالم التاريخية أو إنكار التنوع الموجود في المجتمع السوري.
إن الحديث عن حقوق الكرد. كما الحديث عن حقوق جميع مكونات الشعب السوري. لا يجب أن يختزل في مجرد الاعتراف القانوني بالمواطنة. فالمواطنة الحقيقية ليست فقط حمل الجنسية أو الخضوع لقانون واحد. بل هي شعور بالانتماء والمشاركة والاعتراف بالهوية الثقافية والقومية والسياسية ضمن إطار الدولة.
لقد عانى الكرد في سوريا. خلال عقود طويلة. من سياسات قامت على إنكار جزء من خصوصيتهم القومية والثقافية. ومن ممارسات تركت آثارا عميقة في علاقتهم بالدولة. كما أن استمرار بعض الخطابات التي تنظر إلى الكرد بعين الشك أو تعتبر مطالبهم تهديدا للوحدة الوطنية لا يخدم بناء سوريا مستقرة.
إن الكرد ليسوا طرفا طارئا على سوريا بل هم جزء أصيل من تاريخها ونسيجها الاجتماعي. وضمان حقوقهم لا يعني تقسيم البلاد ولا تهديد وحدتها. بل يعني بناء وحدة وطنية تقوم على القناعة والشراكة. لا على الإقصاء والإنكار.
رفض الإقصاء من أي جهة كانت
إن الدفاع عن حقوق الكرد لا يعني الدفاع عن أي فصيل مسلح. كما أن رفض أي فصيل مسلح لا يعني رفض حقوق أي شعب أو مكون. يجب الفصل بوضوح بين الشعوب وبين القوى السياسية والعسكرية التي تتحدث باسمها.
لقد ارتكبت جهات متعددة انتهاكات بحق السوريين خلال سنوات الحرب. ولا يمكن تحقيق العدالة إلا بمحاسبة كل من ارتكب الجرائم أو مارس القمع أو استغل معاناة الناس. دون تمييز على أساس القومية أو الطائفة أو الانتماء السياسي.
فلا يمكن بناء سوريا جديدة إذا استُبدل إقصاء بإقصاء آخر. أو إذا تحولت الدولة إلى أداة هيمنة لمكون على حساب مكونات أخرى. الدولة العادلة هي التي تحمي الجميع. وتحاسب الجميع. وتمنح الجميع فرصة المشاركة.
منطق البناء بدل منطق الحرب
إن المرحلة التي تمر بها سوريا تحتاج إلى شجاعة سياسية وأخلاقية. شجاعة الاعتراف بالأخطاء وشجاعة قبول الآخر. وشجاعة الانتقال من ثقافة الصراع إلى ثقافة الشراكة.
إن أبناء العشائر. كما أبناء المدن والقرى. والعرب والكرد والسريان والآشوريون والتركمان وجميع السوريين. يمكن أن يكونوا جزءا من مشروع وطني جامع. عندما تتحول طاقاتهم من التعبئة العسكرية إلى البناء والتنمية وتعزيز السلم الأهلي.
إن سوريا الجديدة لن تبنى بخيام الحرب. ولا بخطابات التخوين. ولا بمنطق الإقصاء. بل بخيمة وطن واسعة تتسع لجميع أبنائها.
الخيار اليوم واضح .. إما العودة إلى لغة الماضي التي أنتجت الدمار. أو بناء مستقبل جديد يقوم على دولة القانون. والعدالة. واحترام حقوق جميع السوريين و خاصة الكرد
فالوطن لا يحميه من يرفع راية الحرب و ينصب خيمة الحرب. بل من يساهم في بناء السلام.