هدنة جيهان

صلاح بكر

​شكل إعلان بغداد وأنقرة، اليوم السبت الموافق 1 أغسطس (آب) 2026، عن توقيع اتفاق انتقالي جديد لسنة واحدة بشأن تصدير النفط عبر خط “كركوك – جيهان”، محطةً مَفصلية في مسار الجغرافيا السياسية للطاقة في الشرق الأوسط. يأتي هذا التفاهم المؤقت، الذي يستهدف تصدير حد أدنى يبلغ 750 ألف برميل يومياً، ليملأ الفراغ القانوني واللوجستي الناجم عن انتهاء الأطر التعاقدية السابقة، وليفتح نافذة تقييم شاملة لطبيعة العلاقة الثلاثية بين المركز والإقليم ودولة الممر، خصوصاً وأنه يأتي استجابةً لضرورة إستراتيجية ملحة فرضتها مخاطر التوترات البحرية وأزمة إغلاق مضيق هرمز، مما جعل من منفذ جيهان بمثابة شريان أمان لا غنى عنه لتأمين الصادرات العراقية.

​تستدعي قراءة هذا التطور العودة إلى جذور الأزمة ومحطتها المفصلية المتمثلة في قرار غرفة التجارة الدولية (ICC) بباريس في مارس 2023. ورغم أن القرار أضفى بُعداً شكلياً لصالح الحكومة الاتحادية واستند إلى نصوص اتفاقية عام 1973 الثنائية، إلا أن القراءة القانونية والدستورية العميقين تكشفان عن اختزالية واضحة في مقاربة المشهد؛ إذ أغفلت البيئة التشريعية الداخلية للعراق، وأهمها الغياب المستمر لقانون النفط والغاز الاتحادي الذي نص عليه الدستور العراقي لعام 2005.

​في هذا الفضاء الفراغي، خاض إقليم كوردستان تجربته التنموية بناءً على قراءة دستورية صريحة للمادتين (111 و112)، اللتين تؤكدان أن النفط والغاز ملك للشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات، مع منح الأقاليم صلاحية إدارة الحقول غير المستخرجة وتطويرها بالاشتراك مع الحكومة الاتحادية. ومن هنا، لم يكن توجه أربيل نحو إبرام العقود وتطوير البنية التحتية للتصدير عبر جيهان خطوة أحادية للخروج عن الشرعية الاتحادية، بل كان ممارسة لضرورة دستورية واقتصادية فرضها عجز المشرّع العراقي عن إقرار القانون الضابط للقطاع طوال عقدين من الزمن، وتأخر بغداد المتكرر في تمويل الموازنة وتغطية استحقاقات الإقليم المالية.

​لقد كشفت تداعيات قرار 2023 وما تلاه من إغلاق للأنبوب وتكبد الاقتصاد الوطني خسائر بمليارات الدولارات – ناهيك عن المخاطر الجيوسياسية المستجدة في الخليج العربي – أن الحلول القضائية الشكليّة النازعة للسياق لا تبني استقراراً اقتصادياً. فاختزال المشكلة في حق بغداد الحصري بتوقيع الاتفاقيات الخارجية تجاهل الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن الإقليم أدار قطاعاً حيوياً بكفاءة تشغيلية وعقود استثمارية دولية معقدة، ملئاً للفراغ الناجم عن التقاعس التشريعي في العاصمة، ووفر بديلاً لوجستياً جاهزاً عندما تعطلت الملاحة المائية.

​من هنا، يكتسب الاتفاق الانتقالي المبرم في الأول من أغسطس 2026، والممتد لسنة واحدة، أهميته الإستراتيجية والاضطرارية؛ فهو يمثل اعترافاً ضمنياً من جميع الأطراف بالحاجة إلى مدخل واقعي يبتعد عن أدبيات “الرابح والخاسر” ويؤمن بدائل التصدير البرية. إن تحديد مدة العقد بـ 12 شهراً يمنح صُنّاع القرار في بغداد وأربيل فرصة تاريخية لا تكرر، ليس فقط لتسوية الالتزامات المالية ومستحقات الشركات الأجنبية وتحصين الاقتصاد ضد الأزمات الإقليمية، بل لتفكيك الأزمة من جذورها عبر تشريع قانون النفط والغاز الاتحادي.

​إن استكمال مشروع أنبوب (البصرة – حديثة – كركوك – جيهان) والطموح لرفع الطاقات التصديرية إلى أكثر من مليون برميل يومياً سيبقيان مجرد خطط طموحة على ورق، ما لم يُسند هذا البناء اللوجستي بإطار قانوني اتحادي توافقي يضمن حقوق الإقليم، ويستوعب تجربته الاستثمارية، ويُعيد رسم الشراكة النفطية على أسس الدستور والعدالة المالية بعيداً عن التجاذبات السياسية والتهديدات الأمنية.

قد يعجبك ايضا