ولدتُ كرديًا… وسأبقى معتزًا بذلك

عطا شميراني

في زمنٍ أصبح فيه الاعتزاز بالهوية يُفسَّر أحيانًا على أنه تعصب، بات من الضروري أن نوضح حقيقةً بسيطة، لكنها عميقة المعنى: نعم، أنا كردي، وأعتز بقوميتي، ولغتي، وتاريخ شعبي، وتراثه، وثقافته، وأرضه. وهذا الاعتزاز ليس تهمة، ولا يحتاج إلى اعتذار، ولا يُعد موقفًا عدائيًا تجاه أحد، بل هو حق إنساني تكفله المبادئ الأخلاقية والمواثيق الدولية لجميع الشعوب.

لم يختر أحدٌ منا قوميته، ولا لغته الأم، ولا الأرض التي وُلد عليها. لكنها تصبح جزءًا من شخصيته ووجدانه، ومن الطبيعي أن يحب الإنسان جذوره، ويحافظ على لغته، ويفتخر بتاريخ أمته. فمن يلوم العربي على اعتزازه بعروبته؟ ومن يلوم الفرنسي على اعتزازه بفرنسيته؟ ومن يلوم الياباني، أو الهندي، أو التركي، أو الفارسي على حبهم لأوطانهم وثقافاتهم؟ فلماذا يصبح الكردي متهمًا بالتعصب كلما قال: أنا أعتز بكرديتي؟

إن الاعتزاز بالهوية القومية يختلف اختلافًا جذريًا عن التعصب القومي. فالأول يعني حب الانتماء، وصون اللغة، وحماية الثقافة، والحفاظ على التاريخ والذاكرة الوطنية. أما الثاني، فيقوم على احتقار الآخرين، أو إنكار حقوقهم، أو السعي إلى التفوق عليهم. وأنا أرفض هذا النوع من التفكير رفضًا قاطعًا، لأن الكرامة لا تُبنى على إهانة الآخرين، والحقوق لا تُنتزع بسلب حقوق غيرنا.

لقد علمتنا تجارب الأمم أن الشعوب التي تحترم هويتها تكون أكثر قدرة على احترام هويات الآخرين. أما من يُجبر على إنكار ذاته، أو يُطلب منه أن يخجل من لغته وتاريخه، فإنه يعيش صراعًا دائمًا مع نفسه ومجتمعه. لذلك فإن الدفاع عن الهوية ليس دعوة إلى الانغلاق، بل دفاع عن التنوع الإنساني الذي يجعل العالم أكثر ثراءً وجمالًا.

أنا كردي، وأفتخر بلغتي الكردية التي حملت شعر أحمدي خاني، وأغاني الجبال، وحكايات الأمهات، وآلام المناضلين، وأحلام الأطفال. وأفتخر بثقافة شعبي التي صمدت في وجه الحروب، وسياسات الإنكار، ومحاولات الصهر، وحملات الإبادة، والتهجير، وتغيير الهوية. إن بقاء هذه الثقافة حتى اليوم ليس معجزة، بل ثمرة تضحيات أجيال دفعت أثمانًا باهظة لكي يبقى اسم كردستان حيًا في الذاكرة.

لكن هذا الاعتزاز لا يجعلني أنظر إلى الآخرين بعين الكراهية. على العكس، فقد تعلمت أن الإنسان يُقاس بأخلاقه ومواقفه، لا بقوميته. وأن الصديق قد يكون من أي شعب، كما أن الظالم قد يكون من أبناء قومي. فالعدالة لا تعرف قومية، والإنسانية لا تُختزل في عرق، أو لغة، أو دين.

وأؤمن بأن العالم يتسع للجميع، وأن احترام الآخر لا يبدأ بالتخلي عن هويتنا، بل بالثقة بها. فالإنسان الواثق من نفسه لا يخاف من اختلاف الآخرين، ولا يرى في تنوعهم تهديدًا له. ولذلك أستطيع أن أعتز بكرديتي، وفي الوقت نفسه أحترم العربي، والتركماني، والآشوري، والأرمني، والفارسي، والتركي، وكل إنسان يؤمن بحق الشعوب في العيش بحرية وكرامة وسلام.

لقد عانى الشعب الكردي طويلًا من سياسات الإنكار التي حاولت إقناعه بأن يتخلى عن لغته، أو ينسى تاريخه، أو يذوب في هوية أخرى. لكن التاريخ أثبت أن الهوية لا تُمحى بالقوة، وأن اللغة التي تعيش في قلوب الناس لا تموت، وأن الشعوب التي تؤمن بحقها في الوجود قادرة على النهوض مهما اشتدت المحن.

إنني لا أطالب بأكثر مما أطالب به لجميع شعوب العالم: أن يكون لكل شعب الحق في لغته، وثقافته، وتاريخه، وأن يعيش بحرية وكرامة، بعيدًا عن الكراهية والإقصاء والتمييز. وهذه ليست مطالب قومية ضيقة، بل مبادئ إنسانية راسخة.

القومية، في مفهومها الحضاري، ليست مشروعًا للعداء، بل مشروع لحماية الهوية وصيانة الذاكرة. وهي تصبح خطرًا فقط عندما تتحول إلى وسيلة لاحتقار الآخرين أو الاعتداء على حقوقهم. أما عندما تكون وسيلة للحفاظ على الثقافة واللغة والانتماء، فإنها تمثل قيمة إيجابية تثري الحضارة الإنسانية وتُسهم في تنوعها.

لذلك أقولها بكل وضوح: نعم، أنا كردي، وأعتز بقوميتي، ولغتي، وثقافتي، وتاريخ شعبي. لكنني لا أحمل في قلبي كراهية لأحد بسبب قوميته، أو دينه، أو لغته. إنني أدافع عن حقي، وأحترم حق غيري، وأؤمن بأن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا عندما يشعر كل شعب بأن هويته مصونة، وكرامته محفوظة، ومستقبله بيده.

لقد وُلدت كرديًا، ولم يكن ذلك اختياري، لكنه شرف أعتز به. وسأبقى معتزًا بقوميتي، كما يحترم الإنسان جذوره ويصون ذاكرته، دون أن يحول ذلك إلى سبب للكراهية أو التعصب. فالاعتزاز بالهوية ليس جريمة، بل فضيلة، والكراهية ليست دليل قوة، بل علامة ضعف. أما الإنسان الحقيقي، فهو الذي يحب شعبه بإخلاص، ويحترم في الوقت نفسه إنسانية جميع الشعوب.

قد يعجبك ايضا