نوري جاسم
في صباحٍ مفعمٍ بالسكينة، انطلقنا من مدينة المنصورة قاصدين مدينة الإسكندرية، في رحلةٍ حملت عبق التاريخ وروحانية المكان. وكانت محطتنا الأولى عند الإمام شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري (608-696هـ / 1212-1297م)، صاحب القصيدة الخالدة البردة، التي ما زالت تنبض بمحبة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وكأن صداها يتردد في القلوب قبل الآذان:
مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا
على حبيبك خير الخلق كلهم.
ويُعد الإمام البوصيري من كبار شعراء المديح النبوي في العالم الإسلامي، وقد خلد اسمه بقصيدته التي تناقلتها الأجيال، وأصبحت من أشهر القصائد في محبة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي رحاب هذا المقام الشريف، استحضرنا عظمة هذا الأثر الأدبي والإيماني الذي وحّد قلوب المسلمين على محبة النبي الكريم، وكانت لحظاتٍ غمرتها الطمأنينة والخشوع والدعاء.
ثم تشرفنا بزيارة عددٍ من أبناء الإمام علي زين العابدين عليه السلام، وهم السادة: السيد محمد صلاح الدين، والسيد محمد مسعود، والسيد محمد المنقعي، وهي مقامات يحفظها أهل الإسكندرية بالتوقير والمحبة، ويرون فيها امتدادًا لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
كما زرنا مقام العارف بالله الشيخ أبي العباس المرسي (616-686هـ / 1219-1287م)، أحد كبار أئمة التصوف الإسلامي، وقطب المدرسة الشاذلية بعد شيخه الإمام أبي الحسن الشاذلي، وكان منارةً للعلم والتربية والإرشاد، ولا يزال مسجده في الإسكندرية مقصدًا للمحبين والزائرين.
وزرنا كذلك مقام الشيخ ياقوت العرش (ت 732هـ / 1332م)، وهو من أبرز تلامذة أبي العباس المرسي وخلفائه، واشتهر بالزهد والورع وصفاء السلوك، وكان له أثرٌ كبير في نشر التربية الروحية في مصر.
كما تشرفنا بزيارة مقام القارئ الشيخ محمد مكين الأسمر، أحد أعلام تلاوة القرآن الكريم في الإسكندرية، الذي عُرف بحسن الأداء وجمال التلاوة وخدمة كتاب الله تعالى.
ولم تكتمل الرحلة إلا بزيارة تلامذة الشيخ أبي العباس المرسي الأربعة عشر، الذين حملوا رسالته في التربية والإصلاح ونشروا العلم والذكر في أنحاء مصر، فكانت مقاماتهم شاهدًا على تاريخٍ زاخرٍ بالإيمان والمحبة.
وفي ختام هذه الرحلة المباركة، رفعنا أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى أن يحفظ العراق وأهله المخلصين، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ سيدي الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني، وأن يبارك في مريدي الطريقة العلية القادرية الكسنزانية جميعًا، وأن يفتح لهم أبواب الخير والتوفيق، ويجعلهم من أهل الخدمة والإخلاص والمحبة. وكانت رحلةً لم تكن مجرد انتقالٍ بين الأماكن، بل كانت انتقالًا بين محطاتٍ من المحبة والإيمان، تركت في النفس أثرًا لا تمحوه الأيام، وأكدت أن للأماكن التي عُمِّرت بذكر الله ومحبة رسوله سرًا يبقى حاضرًا في القلوب مهما تعاقبت السنين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..