حبي لكوردستان كموتي لا يتكرر مرتين

احمد كوران

المقدمة: الوطن كقدر لا كخيار

تذهب بعض المقولات الشائعة إلى أن للإنسان وطنين: وطن يولد فيه، ووطن يموت من أجله. إلا أن التجربة الكوردية تقدم نموذجاً مختلفاً. فالوطن هنا ليس خياراً ولا مرحلة، بل هو قدر وجودي. وُلدت فيه، وعشت فيه، وسأدفن فيه. ومن هذا المنطلق يصبح القلب بمثابة قبر رمزي، لا يتسع لغير وطن واحد، وحب واحد لا يقبل القسمة ولا التكرار.

حب الأرض كقيمة وجودية لا عاطفية

يختلف حب الوطن عن سائر العواطف الإنسانية. فالحب الأول قابل للنسيان، والصداقات قابلة للخذلان، والمواقف السياسية قابلة للتغير. أما العلاقة بالأرض فهي علاقة قدرية سابقة على الإرادة الفردية. كما لا يختار الإنسان اسم والدته أو لغته الأولى، كذلك لا يختار انتماءه القومي. كوردستان لم تكن اختياراً، بل هي التي اختارتني.

وعليه، فإن هذا الحب لا يمكن اختزاله في عاطفة موسمية مرتبطة بالأزمات، ولا في شعارات احتفالية يتم نسيانها خارج الفضاء العام. إنه التزام وجودي مطلق، يشبه الموت في نهائيته وعدم قابليته للتكرار.

الذاكرة الجماعية والمسؤولية التاريخية

تتحول الذاكرة الجمعية لشعب عاش سلسلة من الإبادات إلى عنصر مؤسس للوعي السياسي. فصور الأنفال، ودماء حلبجة، وتراب شنكال، ووجع عفرين، وصمت ديرسم، ليست مجرد أحداث تاريخية. لقد تراكمت في الوجدان الجمعي لتشكل قبراً رمزياً يحفظ آلام الأجيال السابقة.

من يحمل هذا الإرث الثقيل يصبح غير قادر على تبني مواقف الحياد أو اللامبالاة. فالسؤال هنا لا يتعلق بالعناد، بل بمنطق المسؤولية. فمن دفع الثمن مرة، يصبح من واجبه الأخلاقي ألا يسمح بضياع هذا الثمن مرة أخرى. لأن التاريخ، في هذه الحالة، لا يُقرأ كسرد للماضي، بل كعامل حاضر في كل قرار سياسي واجتماعي.

الوطن كمفهوم ثقافي وحضاري

الوطن لا يختزل في حدود جغرافية مرسومة على الخرائط. كوردستان هي اللغة، والذاكرة، والطقوس اليومية، والجبل الشاهد. هي الإحساس بعدم الغربة في الألم المشترك، والفرح بانتصار أي جزء من كوردستان كأنه انتصار شخصي. هذا الفهم للوطن يتجاوز المفهوم السياسي الضيق إلى مفهوم حضاري شامل، يجعل من الانتماء مسؤولية مستمرة وليست لحظة عابرة.

إن التمسك بالوطن في هذا السياق ليس عاطفة مبالغاً فيها، بل هو نتاج منطقي لتاريخ من النضال والتضحية. فالسياسة قد تتبدل وفق المصالح، لكن الالتزام الوجودي بالوطن لا يتبدل. ولذلك، فمن لا يملك إلا قلباً واحداً وقبراً واحداً، لا يمكنه أن يقسم ولاءه بين مشروعين.

مدرسة البارزاني كإطار تربوي وسياسي

شكلت مدرسة البارزاني إطاراً تربوياً ونضالياً أسهم في تشكيل الوعي الوطني الكوردي الحديث. ولم تكن هذه المدرسة مؤسسة تعليمية بالمعنى التقليدي، بل كانت تجربة حياة قائمة على الجبل، والغربة، والصمود. ويمكن تلخيص أهم مخرجاتها التربوية في أربع نقاط:

1- حب الوطن كفعل لا كشعار: انتقل الخطاب من الشعارات إلى التضحية الميدانية. من خانقين إلى أعالي الجبال كان الدرس أن الوطن لا يشترى ولا يباع.
2- أولوية الكرامة على المصالح المادية ترسخ مبدأ أن الجوع أهون من الركوع، وأن التهجير أهون من التنازل عن الهوية واللغة والتاريخ.
3- الوحدة كشرط للبقاء أكدت المدرسة أن الخلاف الداخلي يمثل نقطة ضعف يستثمرها الخصوم، وأن إدارة الاختلاف بحكمة هي أحد أعمدة بناء الدولة.
4- استمرارية الأمل في أحلك الظروف، من الأنفال إلى حلبجة، قدمت هذه المدرسة خطاباً مؤسساً على أن بقاء فرد واحد رافع الرأس يعني بقاء القضية.

خاتمة: من الذاكرة إلى المشروع

أنا نتاج هذه المدرسة. وشهادتي الحقيقية هي الغيرة على تراب كوردستان. والواجب الملقى على عاتق هذا الجيل هو تسليم الراية للجيل القادم كاملة، لا ينقصها شبر من الأرض ولا ذرة من الكرامة.

إن التحدي اليوم لا يكمن في قوة الذاكرة، بل في كيفية توظيفها. فالأمم لا تنتصر بمجرد التذكر، بل بمعرفة ماذا تفعل بما تتذكره. من هنا، يتحول الحب من نجاة إلى مشروع بناء يتجاوز حدود الجغرافيا التي فرضها الآخرون.

رحم الله البارزاني الخالد وأطال الله بعمر الرئيس مسعود البارزاني وتحيا كوردستان.

قد يعجبك ايضا