نبيل عبد الأمير الربيعي
لم يعد الفساد في العراق مجرد تجاوزات فردية أو حالات معزولة، بل أصبح ظاهرة بنيوية ارتبطت بطبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة الحزبية والطائفية والإثنية. ومن هنا، فإن محاسبة مسؤول تثبت إدانته قضائياً لا ينبغي أن تنتهي عند شخصه، لأن الفساد في كثير من الأحيان هو نتيجة منظومة كاملة تبدأ بآلية الترشيح، وتمر بغياب الرقابة، وتنتهي باستغلال المنصب لتحقيق مصالح حزبية أو فئوية.
لقد نص الدستور العراقي لسنة 2005 على جملة من المبادئ التي تؤكد أن الوظيفة العامة أمانة ومسؤولية، وأن إدارة المال العام يجب أن تقوم على أسس النزاهة والشفافية والمساءلة. كما أكد مبدأ المساواة أمام القانون، وخضوع جميع السلطات لأحكامه، وحماية المال العام باعتباره ملكاً لجميع العراقيين، وليس مورداً تتقاسمه الأحزاب والكتل السياسية.
وفي الإطار ذاته، أنشئت مؤسسات رقابية مستقلة، إلى جانب اختصاصات الادعاء العام والسلطة القضائية، بهدف مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة ومساءلة المتورطين. غير أن فعالية هذه المؤسسات تبقى محدودة إذا ظلت الإرادة السياسية أسيرة منطق المحاصصة وحماية المنتسبين إلى الأحزاب النافذة.
إن المسؤول الذي يثبت القضاء ارتكابه جرائم فساد يتحمل مسؤوليته القانونية والشخصية كاملة، ولا يجوز تبرير أفعاله أو التخفيف منها. لكن هذه المسؤولية لا تعفي الحزب أو الكتلة السياسية التي رشحته من المسؤولية السياسية والأخلاقية، لأنها هي التي قدمته للرأي العام بوصفه مؤهلاً لتولي المنصب، ودافعت عنه، وغالباً ما وفرت له الغطاء السياسي طوال فترة وجوده في السلطة.
بل إن المسؤولية تمتد أيضاً إلى المسؤول الإداري الأعلى، الذي يملك صلاحيات الإشراف والمتابعة والرقابة. فإذا استمر الفساد سنوات من دون اكتشاف أو مساءلة، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول كفاءة منظومة الرقابة، أو احتمال وجود تواطؤ أو تقصير في أداء الواجب الوظيفي.
والتجربة العراقية خلال العقدين الماضيين أثبتت أن كثيراً من المسؤولين لم يكونوا أصحاب قرار مستقل، وإنما كانوا جزءاً من منظومات حزبية واقتصادية تدير مؤسسات الدولة وفق مصالحها الخاصة. ولهذا فإن الحديث عن “فساد فردي” يغفل حقيقة أن بعض قرارات الإنفاق والإحالات والعقود والتعيينات كانت تتم ضمن شبكات نفوذ يصعب فصلها عن القوى السياسية التي استحوذت على مؤسسات الدولة.
إن الاكتفاء بإحالة مسؤول إلى القضاء، مع بقاء الحزب الذي رشحه بمنأى عن أي مساءلة سياسية أو انتخابية، يعني أن المنظومة ستعيد إنتاج النموذج نفسه بأسماء جديدة. فالمشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، وإنما في آلية إنتاج المسؤول، وفي غياب معايير الكفاءة، وسيادة الولاء الحزبي على حساب الولاء للدولة.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي يقتضي ترسيخ مبدأ المسؤولية السياسية إلى جانب المسؤولية الجنائية، بحيث تتحمل الأحزاب نتائج اختياراتها، ويخضع المسؤولون الكبار للمساءلة عن تقصيرهم في الرقابة، مع تفعيل مبدأ (من أين لك هذا؟)، والإفصاح عن الذمم المالية، وحماية المبلغين والشهود، وتعزيز استقلال القضاء والأجهزة الرقابية بعيداً عن الضغوط السياسية.
إن بناء دولة القانون لا يتحقق بالشعارات، وإنما بتطبيق الدستور على الجميع من دون استثناء، وإخضاع جميع المسؤولين، مهما علت مناصبهم أو انتماءاتهم، لرقابة القانون والقضاء. فالدولة التي يُحاسب فيها الموظف الصغير ويُستثنى صاحب النفوذ، لا تستطيع أن تكسب ثقة مواطنيها، ولا أن تؤسس لحكم رشيد.
إن المعركة ضد الفساد ليست معركة قضائية فحسب، بل هي معركة سياسية وأخلاقية ومجتمعية، هدفها حماية الدولة من الاستحواذ الحزبي، وصيانة المال العام، وإعادة الاعتبار لمبدأ المواطنة. وعندما تصبح المسؤولية ملازمة لكل من يرشح، ويشرف، ويغطي، ويستفيد، عندها فقط يمكن القول إن العراق قد بدأ يخطو خطوات جادة نحو بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.