التآخي : وكالات
همسات من سجل الذكريات (أزفُ شوقي أزفُ تحيـــاتــــي إليك) عندما نغوص في دواخلنا ونحاور الذات نجد أنفسنا غرقى نغوص في كيانين لجسد واحد .. الروح تُجسد عالماً آخر في بنياننا وتكويننا وما نحن عليه بين أقراننا ممن نشاركهم الحياة على كوكب الأرض .. تعانق الروح أشقائها شركاؤها أولئك الذين عُجِنوا في جنباتها وتصطفي منهم واحداً فقط يتربع في ملكوتها متملكاً إياها تعيش فيه ويعيش فيها بكامل الحواس .. أن تكون إنسان فهذه أجمل صور وجودك، ومعك تكون الحياة أجمل لطالما شع ذاك النور من روحك الإنسانية الجميلة .. جميلة هي الحياة بما نستشعره ويرطب النفوس ويجعل للحياة معنىً .. الروح الجميلة تستشعر الفقدان وتتآكل ويتآكل فيها الجسد يذوي ويذبل .. لكن ذاك الكيان الآخر كيان الروح وسجل الذكريات يُحيينا يواسينا يرسم لنا مسار البقاء والعطاء ورسالة الوجود حتى ساعة الغروب .. هناك لحظات نشعر فيها بنبض جسد قد اختفى بناؤه المادي لكن أثره لا يزال باقياً .. لا يزال خالداً فينا يحاكينا يداعب الذكريات تستحضره .. بمجرد استحضار الأسماء يحضر كل شيء، وسرعان ما ندرك أننا جميعاً لسنا سوى أسماء كُتِبت بماء وحالما يجف الماء ينتهي الوجود وتبقى الذكريات .. نحن أسماء كُتِبت بماء وسيرٌ خالدة .. سيرٌ خالدة سجلتها الأعباء والتضحيات وقيم العطاء .. العطاء والتضحية ليسا مجرد صفات فحسب بل هي جزيئات روحٌ تسري فينا وتتجسد أكثر فأكثر كلما أصبح العالم فوق طاقتنا على التحمل .. في سكون الليل أحاورها أحاور الروح التي أتزين وأتجمل بها، أحاورها بينما يغط العالم في نوم عميق، أفتح نوافذ النوم لأحتضن أحلامي .. توقظني الذكريات !!! في عالم التيه الذي أسبح فيه أحيانا في أعماق الروح والوجدان أجد نفسي وحيدة وقد انطفأت الأنوار، لكن نور وجهك يرفض أن ينطفئ في قلبي، وتأبى صورتك أن تختفي من مخيلتي .. أعود فأكتب إليك بينما يلفّ الليلُ عباءتهَ السوداء، وكأنه يمنحني مساحةً واسعةً لأكشفَ ما يُخفيه كبريائي في وضح النهار .. أما في النهار فأرتدي قناعَ القوةِ والنسيان، منشغلةً بالحياة وتفاصيلها الرتيبة .. بمجرد أن يسود هذا الهدوء وتصمت الأصوات، تختفي كل الأقنعة، وأجد نفسي أعود إليك – إلى ملامحك، إلى نبرة صوتك، وإلى تلك التفاصيل الصغيرة المحفورة في ذاكرتي والتي لم تمحُها الأيام وقسوتها وكثرة تفاصيلها بعد كل هذه السنوات.. أتساءل في نفسي ؟ هل تنظر إلى نفس السماء التي أنظر إليها الآن؟ هل تخطر صورتي في مخيلتك بعد كل هذه السنوات؟ يقولون إن الليل يزيد الألم .. لكني أعتقد أنه موعد النجوى ومحاكاة الروح والذكريات ليكشف الحقيقة الخفية بدواخلنا .. إن شوقي إليك في هذه الساعة هو أصدق شعور .. لقد فارق جسدك هذا العالم، لكن وجودك في روحي أعمق من أي وقت مضى .. لقد استبدّ بي الشوق، وأهلكني الحنين إلى من كان وجوده نوراً في حياتي .. وأشعر أنني ماضيةٌ إليك .. أحاورك أحاكيك أتنفس معك وأكتب إليك .. إنتظرني سآتي إليك .. أنا ماضية إليك .. فهل نلتقي قريباً ؟ إلى أن نلتقي مجدداً، سأستمر في إرسال تحياتي إليك مع كل نجمة وكل همسة شوق .. نلتقي بإذن الله .. وجميل اللقاء في الآخرة ..