روما تُكرِّم نيجيرفان بارزاني… والدبلوماسية الكوردستانية تحصد ثمارها

عطا شميراني

ليست كل الأوسمة تُعلَّق على صدور الرجال، فبعضها يُعلَّق على صفحات التاريخ. وليست كل المراسم الدبلوماسية مجرد طقوس بروتوكولية، فبعضها يحمل في تفاصيله رسائل سياسية تتجاوز حدود المكان والزمان. وحين تقرر الجمهورية الإيطالية أن تمنح أعلى أوسمتها الرسمية لرئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، فإنها لا تكرّم شخصًا بعينه بقدر ما تعلن اعترافًا دوليًا بمسيرةٍ سياسية نجحت في أن تجعل من كوردستان شريكًا موثوقًا في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا.

في العلاقات الدولية، لا تُقاس قيمة الأوسمة بوزن الذهب الذي صُنعت منه، بل بالرسائل التي تحملها، وبالمعاني التي تختبئ خلف مراسم التقليد والبروتوكول. فالأوسمة الكبرى لا تُوزَّع بدافع المجاملة، ولا تُمنح لإرضاء العواطف، وإنما تأتي بعد سنوات طويلة من المتابعة والتقييم، وقياس الأثر الحقيقي للشخص في تعزيز الثقة، وبناء الشراكات، وخدمة الاستقرار.

ومن هذا المنطلق، فإن منح الرئيس نيجيرفان بارزاني وسام «فارس الصليب الأكبر لنجمة إيطاليا»، وهو أعلى وسام تمنحه الجمهورية الإيطالية للأحياء، يتجاوز كونه تكريمًا شخصيًا، ليصبح اعترافًا دوليًا بمسار سياسي اتسم بالاعتدال والانفتاح والقدرة على تحويل الحوار إلى أداة لصناعة المصالح المشتركة.

لقد أثبتت التجارب أن السياسة ليست سباقًا في إطلاق التصريحات النارية، ولا منافسة في رفع سقوف الخطاب، بل هي فن بناء الثقة. والثقة، في عالم اليوم، أصبحت عملةً أكثر ندرة من النفط، وأكثر قيمةً من السلاح. ومن ينجح في كسبها، ينجح في فتح أبواب العواصم الكبرى قبل أن يفتح أبواب السفارات.

وفي عالم السياسة، لا تُبنى المكانة الدولية بالخطب الرنانة، ولا بالشعارات التي تملأ المنابر، وإنما تُبنى بالصبر، واستمرارية التواصل، والقدرة على تحويل الخلافات إلى مساحات للحوار. فالدبلوماسية ليست فن الحديث فقط، بل فن الإصغاء أيضًا، وليست البحث عن الانتصار على الآخرين، بل البحث عن المصالح التي تجعل الجميع رابحين. وهذه هي المدرسة التي اختارتها كوردستان في علاقاتها مع كثير من العواصم المؤثرة.

وعلى امتداد أكثر من عقدين، اختار نيجيرفان بارزاني أن يسلك هذا الطريق. لم يجعل من الخلافات عنوانًا دائمًا، ولم يبنِ حضوره على لغة الاستقطاب، بل فضّل سياسة الأبواب المفتوحة، والاتصال المستمر، والبحث عن القواسم المشتركة حتى مع أكثر الأطراف اختلافًا.

ولعل العلاقات بين أربيل وروما تمثل واحدة من أبرز ثمار هذا النهج. فمنذ رفع التمثيل الدبلوماسي الإيطالي في أربيل إلى مستوى القنصلية العامة عام 2015، أخذت الشراكة بين الجانبين تتوسع بثبات، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وثقافيًا. ولم تكن اللقاءات المتكررة مع كبار المسؤولين الإيطاليين مجرد مناسبات بروتوكولية، بل محطات لترسيخ شراكة استراتيجية قائمة على الثقة المتبادلة واحترام المصالح المشتركة.

ومن هنا، فإن الوسام الذي تقلده اليوم رئيس إقليم كوردستان ليس مكافأة على زيارة رسمية، ولا على خطاب أُلقي في مؤتمر، بل هو حصيلة ربع قرن من الدبلوماسية الهادئة، والعمل المتواصل، والحضور المسؤول في المحافل الدولية.

كما أن القيمة الحقيقية لهذا الوسام تكمن في آلية منحه. فهو لا يصدر بقرار سياسي عابر، بل يمر عبر لجان مختصة، ويُرفع إلى رئيس الجمهورية الإيطالية بعد مراجعة دقيقة لسجل المرشح وإسهاماته في خدمة العلاقات الدولية وتعزيز مكانة إيطاليا وشراكاتها الخارجية. ولذلك، فإن وصول اسم نيجيرفان بارزاني إلى هذه المرتبة الرفيعة يعكس حجم التقدير الذي يحظى به داخل مؤسسات الدولة الإيطالية.

ولا يمكن فصل هذا التكريم عن الدور الذي أداه إقليم كوردستان خلال السنوات الماضية. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تغرق في الحروب والفوضى، استطاع الإقليم أن يقدم نموذجًا نسبيًا للاستقرار، وأن يكون شريكًا فاعلًا في الحرب على الإرهاب، وأن يستقبل مئات الآلاف من النازحين واللاجئين، وأن يحافظ، رغم التحديات، على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية.

لقد أدركت أوروبا، وإيطاليا في مقدمتها، أن كوردستان لم تكن مجرد رقعة جغرافية وسط الأزمات، بل أصبحت عنصرًا مهمًا في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي. ومن هنا، فإن تكريم رئيس الإقليم يحمل، في جوهره، رسالة تقدير لتجربة كوردستان السياسية، ولمكانتها المتنامية في الحسابات الدولية.

ويكتسب هذا الحدث أهمية إضافية في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط. فالعالم يعيد رسم خرائط تحالفاته، ويبحث عن شركاء يتمتعون بالاتزان والقدرة على الحوار، لا عن أطراف تزيد منسوب الأزمات. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الرصيد الدبلوماسي الذي راكمه إقليم كوردستان، عبر قيادته، أحد أهم عناصر قوته الناعمة.

إن احترام الدول لا يُشترى بالمال، ولا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بصبرٍ طويل، وسياساتٍ متزنة، وسمعةٍ دولية تتراكم عامًا بعد عام. وهذا، في جوهره، هو المعنى الحقيقي لكل وسام رفيع.

غير أن القيمة الأكبر لأي تكريم لا تكمن في الميدالية نفسها، بل في ما يمكن أن تفتحه من آفاق جديدة. فالثقة الدولية ينبغي أن تتحول إلى استثمارات، وشراكات علمية، ومشاريع تنموية، وفرص تعليمية، وتعاون ثقافي، وحضور أوسع لكوردستان في المؤسسات الدولية. فالشعوب لا تعيش على الرموز وحدها، وإنما على ما تنتجه تلك الرموز من نتائج ملموسة.

ولذلك، فإن هذا الوسام ليس نهاية قصة، بل بداية فصل جديد من المسؤولية؛ مسؤولية الحفاظ على هذا الرصيد، وتعزيزه، وترجمته إلى مكاسب حقيقية يشعر بها المواطن الكوردي في حياته اليومية.

لقد علّمنا التاريخ أن الأوسمة تفقد بريقها إذا بقيت معلقة على الصدور، لكنها تتحول إلى صفحات مشرقة عندما تنعكس على ازدهار الأوطان وكرامة الشعوب.

لقد أرادت روما، وهي تمنح هذا الوسام، أن تقول شيئًا يتجاوز حدود التكريم الشخصي؛ أرادت أن تؤكد أن السياسة الهادئة، حين تُدار بحكمة، تستطيع أن تحقق ما تعجز عنه الصراعات، وأن الاحترام الذي تمنحه الدول لا.

قد يعجبك ايضا