د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
تركيا في الناتو: السلاح، سوريا، إيران، والكورد
تتحرك تركيا في قمة الناتو من موقع “الدولة المضيفة”، لا من موقع العضو العادي. فهي تريد أن تعرض نفسها بوصفها عقدة جغرافية وعسكرية وسياسية لا يستطيع الحلف تجاوزها: البحر الأسود، سوريا، القوقاز، الشرق الأوسط، أوكرانيا، ملف الطاقة، وخطوط التماس مع روسيا وإيران. لذلك لن تكون مطالب أنقرة محصورة في بند واحد، بل في حزمة واسعة من الملفات المتداخلة.
أول ما ستطلبه تركيا من الولايات المتحدة هو إعادة فتح ملف التسليح المتطور، ولا سيما العودة إلى برنامج F-35، أو على الأقل تسريع ملفات الطائرات والتحديثات العسكرية. فأنقرة تريد ترميم علاقتها الدفاعية مع واشنطن بعد سنوات من التوتر بسبب منظومة S-400 الروسية، وما تبعها من عقوبات وقيود. وقد تسعى إلى تحقيق اختراق في هذا الملف، رغم التحفظات الإسرائيلية، ورغم معارضة قطاعات من الكونغرس سابقًا. وحضور وفد من لجنة العلاقات الخارجية وشؤون الناتو إلى أنقرة، برئاسة السيناتور الديمقراطية جين شاهين، يعطي هذا الملف بعدًا سياسيًا إضافيًا، خصوصًا إذا أراد ترامب تقديم شيء ملموس لأردوغان ضمن صفقة أوسع.
ثانيًا، ستطلب تركيا من واشنطن وأوروبا رفع القيود، المعلنة وغير المعلنة، عن الصناعات الدفاعية التركية، وإدخالها في مشاريع الإنتاج والشراء الدفاعي الأوروبي. وهذه نقطة مركزية، لأن قمة أنقرة تُعقد في ظل نقاش واسع حول رفع الإنفاق الدفاعي داخل الناتو، وتحويل هذا الإنفاق إلى إنتاج وتسليح ومشتريات مشتركة. والرسالة التركية هنا واضحة: إذا كان الناتو يريد صناعة دفاعية أقوى، وجيشًا أكثر جاهزية، وقدرةً أكبر على سد النقص في الإنتاج العسكري، فلا يمكن تجاهل الصناعة التركية، ولا إبقاؤها خارج منظومة الدفاع الأوروبية.
ثالثًا، ستضغط تركيا بقوة على ما تبقى من ملف قسد/وحدات حماية الشعب، وعلى ملف حزب العمال الكوردستاني، وستحاول انتزاع موقف أمريكي وأوروبي أقرب إلى روايتها الأمنية. وهذا هو أخطر ما يمكن أن ينعكس على الكورد. فأنقرة ستربط بين “أمن الناتو” و“محاربة الإرهاب” وبين وقف أي دعم غربي للحراك الكوردي في سوريا، وبصورة غير مباشرة للكورد في تركيا وإيران أيضًا. وهي ستستغل استضافتها للقمة لتقول إن أمنها القومي جزء من أمن الحلف، وإن أي دعم لقوى كوردية مسلحة أو سياسية في سوريا أو إيران يضر بعضو أساسي في الناتو، ويهدد الجبهة الجنوبية للحلف.
رابعًا، ستطلب تركيا دورًا أوسع في إعادة ترتيب سوريا، ليس أمنيًا فقط، بل سياسيًا واقتصاديًا أيضًا. فهي تريد تعميق نفوذها في بنية ما يسمى بـ“الحكومة السورية الانتقالية”، وفي ملفات الحدود، واللاجئين، وإعادة الإعمار، والطاقة، والطرق التجارية. وربما لا يمكن فصل بعض التفجيرات أو التوترات الأمنية المفتعلة في دمشق ومحيطها عن صراع النفوذ على مستقبل سوريا، ولا سيما حين تُستخدم الفوضى الأمنية لتبرير دور تركي أعمق في إدارة المرحلة. فأنقرة تريد أن تقول للناتو إن جنوب الحلف لا يقل أهمية عن شرقه، وإن سوريا والعراق وإيران وشرق المتوسط يجب ألا تبقى هامشًا أمام أولوية أوروبا الشرقية وحدها.
خامسًا، ستطلب تركيا من الأوروبيين الاعتراف العملي بها كشريك لا غنى عنه في الدفاع الأوروبي. فأوروبا اليوم واقعة تحت ضغط أمريكي واضح لرفع إنفاقها الدفاعي، والناتو يناقش مستويات غير مسبوقة من الإنفاق، قد تصل إلى حدود 5% من الناتج المحلي للدفاع والبنية التحتية المرتبطة به. وهنا ستقدم تركيا نفسها للأوروبيين بوصفها الجواب الجاهز: جيش كبير، صناعة دفاعية صاعدة، طائرات مسيّرة، خبرة ميدانية، وموقع جغرافي لا يملكه أي عضو آخر في الحلف بهذا الامتداد.
سادسًا، ستطرح تركيا نفسها بوصفها وسيطًا وبوابة في ملفات أوكرانيا، والبحر الأسود، وروسيا. فهي تريد أن تبقى داخل الناتو، لكنها لا تريد قطع خطوطها مع موسكو. تريد ثمنًا من الحلف لأنها ضرورية في البحر الأسود، وثمنًا من روسيا لأنها لا تذهب إلى القطيعة الكاملة معها. وهذا هو جوهر السياسة التركية الحالية: اللعب على الحافتين، لا الخروج من أي منهما.
أما في العمق، فالمطلب التركي الحقيقي ليس بندًا عسكريًا أو سياسيًا منفردًا، بل صفقة كبرى عنوانها: اعترفوا بدور تركيا القيادي في جنوب الناتو، أعيدوا فتح أبواب السلاح والتكنولوجيا أمامها، لا تضغطوا عليها في الملف الكوردي، واقبلوا بنفوذها في سوريا والعراق، مقابل أن تبقى داخل الاستراتيجية الغربية العامة. وما ألمح إليه ترامب، حين قال قبل سفره إلى أنقرة إنه سيفاجئ أردوغان بما سيقدمه له، قد يكون جزءًا من هذه الصفقة؛ لكن السؤال الأهم هو: ما المقابل الذي ستقدمه تركيا؟
على الأرجح، لن يكون المقابل تفصيلًا صغيرًا. قد يُطلب من تركيا ليس فقط الابتعاد أكثر عن إيران، بل دعم الاستراتيجية الأمريكية داخل الناتو في مواجهة إيران وأدواتها. وقد يكون أحد أوجه هذا الدعم دفع حكومة أحمد الشرع، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الانخراط في مواجهة حزب الله أو تقليص نفوذه داخل المعادلة السورية. وهنا تصبح سوريا مرة أخرى ساحة مساومة بين القوى الكبرى والإقليمية، لا دولة حرة تقرر مصيرها بإرادة شعبها.
وفي هذا كله، تبقى القضية الكوردية أمام الخطر الأعمق. فأسوأ ما قد تنجح تركيا في انتزاعه من قمة الناتو هو تحويل ملف الكورد في الأجزاء الأربعة المحتلة من كوردستان، من قضية حقوق قومية وسياسية ودستورية، إلى ملف “أمني–ناتوي” مرتبط بالإرهاب والحدود والاستقرار. وإذا نجحت أنقرة في ذلك، فإن أي مطالبة كوردية بالفيدرالية، أو اللامركزية، أو الضمانات الدستورية، أو الاعتراف القومي، ستصبح محاصَرة بخطاب الأمن التركي.
وهذا بالضبط ما تسعى إليه تركيا منذ سنوات: ألا يرى الغرب القضية الكوردية بوصفها قضية شعب وحقوق وتاريخ وجغرافيا، بل بوصفها مشكلة أمنية على حدود عضو في الناتو. فإذا تحقق لها ذلك، ستكون قد حققت في قمة أنقرة ما هو أخطر من صفقة طائرات أو رفع قيود عسكرية؛ ستكون قد نقلت القضية الكوردية من فضاء السياسة والحقوق إلى قفص الأمن، وهذا هو الفخ الأكبر.