فلسفة الدولة ومنطق الشراكة: قراءة تحليلية في الرؤية السياسية للرئيس مسعود بارزاني ومستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل
أحمد زبير باني
في تاريخ الدول، لا تُقاس أهمية القيادات السياسية بما تحققه من مكاسب آنية، بل بقدرتها على صياغة رؤى تتجاوز اللحظة الراهنة، وتؤسس لتوازنات أكثر استدامة داخل الدولة والمجتمع. فالأزمات السياسية، مهما بلغت حدتها، قد تكون عابرة، أما الرؤى الاستراتيجية فهي التي تحدد الاتجاه العام للدولة، وتؤثر في طبيعة مؤسساتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية لعقود طويلة.
ومن هذا المنطلق، يمكن تناول الرؤية السياسية للرئيس مسعود بارزاني باعتبارها إحدى المقاربات المؤثرة في النقاش العراقي حول الفيدرالية، والشراكة الوطنية، والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان. فهذه الرؤية تنطلق من فكرة مفادها أن استقرار الإقليم واستقرار الدولة العراقية مترابطان، وأن نجاح النظام الاتحادي يعتمد على وجود مؤسسات دستورية قادرة على إدارة التنوع السياسي والقومي ضمن إطار الدولة.
لقد أظهرت التجربة العراقية بعد عام 2003 أن بناء المؤسسات أكثر تعقيداً من تغيير الأنظمة السياسية. فإقرار الدستور، وإجراء الانتخابات، وتشكيل الحكومات، لم تكن وحدها كافية لإنتاج دولة مستقرة، بسبب استمرار التحديات المرتبطة بتوزيع الصلاحيات، وبناء الثقة بين القوى السياسية، وإدارة الموارد، وتعزيز سيادة القانون.
وفي هذا السياق، برزت العلاقة بين بغداد وأربيل باعتبارها أحد أهم محاور الاستقرار السياسي في العراق. فهذه العلاقة لم تكن مجرد خلاف حول ملفات إدارية أو مالية، بل مثلت اختباراً لقدرة النظام الاتحادي على إدارة التعددية الدستورية وتحقيق التوازن بين السلطة الاتحادية وصلاحيات الإقليم.
وتُقرأ الرؤية السياسية للرئيس مسعود بارزاني، في هذا الإطار، بوصفها دعوة إلى ترسيخ مفهوم الشراكة الدستورية بوصفها أساساً للعلاقة بين الطرفين. فوفق هذا التصور، لا يمكن تحقيق استقرار طويل الأمد إذا بقيت العلاقة محكومة بمنطق الأزمات المتكررة أو التفاهمات المؤقتة، بل تحتاج إلى بناء آليات مؤسسية للحوار، والالتزام بالدستور، وإدارة الخلافات عبر المؤسسات.
ومن منظور علم السياسة، تتقاطع هذه المقاربة مع عدد من الأدبيات التي تؤكد أن النظم الاتحادية تزداد استقراراً عندما تتحول المؤسسات إلى الإطار الرئيس لتسوية الخلافات، بدلاً من الاعتماد على التفاهمات الشخصية أو التوازنات الظرفية. فكلما ازدادت قوة المؤسسات، تقلصت احتمالات التصعيد السياسي، وازدادت قدرة الدولة على إنتاج سياسات عامة مستقرة.
كما تعكس هذه الرؤية فهماً لمفهوم الاعتماد المتبادل داخل الدولة الاتحادية؛ إذ إن استقرار المركز ينعكس على استقرار الإقليم، كما أن استقرار الإقليم يسهم في تعزيز استقرار الدولة ككل. ومن هذا المنظور، تصبح العلاقة بين بغداد وأربيل علاقة تكامل مؤسسي، وليست علاقة تنافس صفري.
ومن القضايا المهمة في هذا السياق أن مفهوم الأمن الوطني لم يعد يقتصر على الجوانب العسكرية، بل أصبح يشمل كفاءة الإدارة العامة، واستقرار الاقتصاد، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، واستقلال القضاء، والقدرة على إدارة الموارد، ووجود سياسات خارجية متوازنة تحافظ على سيادة الدولة. وهذه العناصر تشكل مجتمعةً أساس الدولة الحديثة القادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وفي الوقت نفسه، فإن نجاح أي رؤية سياسية يبقى مرتبطاً بقدرتها على التحول من مستوى المبادئ إلى مستوى التطبيق العملي. فالتجارب المقارنة تبين أن بناء الثقة بين القوى السياسية يتطلب استمرارية الحوار، والالتزام بالاتفاقات، وتطوير مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات بعيداً عن التصعيد السياسي أو اللجوء إلى الحلول المؤقتة.
ولا يقتصر أثر العلاقة بين بغداد وأربيل على الشأن الداخلي، بل يمتد إلى البيئة الإقليمية التي يتأثر بها العراق ويؤثر فيها. فكلما ازدادت قدرة الدولة على إدارة تنوعها الداخلي بصورة مستقرة، ازدادت قدرتها على حماية قرارها الوطني وتعزيز موقعها الإقليمي.
ومن هنا، فإن النقاش حول مستقبل الشراكة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان لا ينبغي أن يُختزل في الملفات اليومية، وإنما يرتبط بسؤال أوسع يتعلق بطبيعة الدولة العراقية نفسها: هل تستطيع تطوير نموذج اتحادي يقوم على المؤسسات والثقة والالتزام الدستوري، أم ستبقى العلاقات السياسية محكومة بمنطق إدارة الأزمات؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تعتمد على طرف سياسي واحد، وإنما على قدرة مختلف القوى الوطنية على بناء ثقافة سياسية تجعل من الدستور مرجعاً، ومن المؤسسات إطاراً لإدارة الخلاف، ومن الحوار وسيلة لإنتاج الحلول.
وفي ضوء ذلك، تمثل الرؤية السياسية للرئيس مسعود بارزاني أحد الاتجاهات التي تؤكد أهمية الشراكة الدستورية والحوار المؤسسي في إدارة العلاقة بين بغداد وأربيل. وبغض النظر عن اختلاف المواقف السياسية أو الاتفاق معها، فإن دراسة هذه الرؤية تظل ذات أهمية لفهم أحد المسارات المطروحة في النقاش العراقي حول مستقبل النظام الاتحادي.
وفي الختام، فإن مستقبل العراق لن يتحدد بقدرة أي طرف على تحقيق مكاسب سياسية منفردة، وإنما بقدرة الدولة على بناء مؤسسات قوية، وترسيخ الثقة بين مكوناتها، وتحويل التنوع إلى مصدر للاستقرار. فالدول الحديثة لا تستقر عبر التسويات المؤقتة وحدها، بل عبر بناء قواعد سياسية ومؤسساتية تجعل الشراكة خياراً دائماً، والدستور مرجعية جامعة، والمصلحة الوطنية إطاراً لإدارةالاختلاف .