درسٌ في الوفاء

نعمة المهدي 

حين تُربكنا الطيور بصمتها  منذ زمن، صار للفجر طقسٌ آخر في حياتي. بعد الصلاة وتلاوة ما تيسّر من القرآن الكريم، وحين يبدأ الصباح بفكّ أزرار عتمته، أخرج لأضع شيئًا من الحبوب للطيور البرية. كان الأمر في بدايته عادةً عابرة، ثم تحوّل مع الأيام إلى ميثاقٍ غير مكتوب بيني وبين تلك الأرواح الصغيرة.  هي لا تعرف اسمي، وأنا لا أملك لغةً أخاطبها بها، ومع ذلك نشأت بيننا ألفةٌ تتجاوز الكلام.  هذا الصباح، ولأول مرة، نفدت الحبوب من عندي.  خرجت كعادتي، فرأيتهن هناك… ينتظرن. لم يكن في أعينهن عتاب، ولا في وقوفهن احتجاج، فقط ذلك الانتظار الصامت الذي هزّ شيئًا عميقًا داخلي. شعرت بخجلٍ لم أتوقعه؛ خجل الإنسان حين يعجز عن الوفاء لوعدٍ لم ينطقه أصلًا.  عندها خطر لي أن الوفاء ربما لا يحتاج إلى عقلٍ معقّد كما نزعم نحن البشر، بل إلى قلبٍ يعرف الطريق ولا ينساه.  كم هو غريب أمر الإنسان؛ يبرّر خذلانه بالكلمات، بينما طائرٌ صغير يعلّمنا بصمته معنى الثبات، ومعنى أن يكون للحضور قيمة، وللاعتياد حرمة، وللانتظار قداسة.  ذلك الصباح لم أخجل لأنني لم أُطعم الطيور فحسب…بل خجلت لأن الطيور ذكّرتني بإنسانٍ كنّا نحن قد نسيناه في داخلنا.

قد يعجبك ايضا