عندما كشفت السينما المصرية ما عجزت السياسة عن قوله

مقال راي

مصطفى حسين الفيلي

منذ نشأتها، لم تكن السينما المصرية مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت مرآة للمجتمع وسجلًا غير رسمي لتحولاته السياسية والاجتماعية. وفي كثير من الأحيان، امتلكت شجاعة الاقتراب من الملفات الشائكة التي لم يكن من السهل مناقشتها في الإعلام أو الخطاب الرسمي، لتصبح الشاشة الكبيرة مساحة لطرح الأسئلة التي يخشاها الواقع.

من بين أكثر تلك الملفات حساسية، ما ارتبط بما عُرف تاريخيًا بقضية “انحرافات المخابرات” التي تفجرت عقب هزيمة عام 1967، وأسفرت عن محاكمة عدد من قيادات جهاز المخابرات في عهد صلاح نصر، بتهم تتعلق باستغلال النفوذ واستخدام وسائل غير مشروعة للسيطرة والابتزاز. وقد ظل هذا الملف حاضرًا في الذاكرة المصرية لعقود، ليس فقط من خلال الوثائق والشهادات، بل أيضًا عبر السينما التي أعادت قراءته بلغتها الخاصة. وقد ارتبط اسم صفوت الشريف، الذي كان ضابطًا في الجهاز آنذاك، بهذه القضية تاريخيًا، قبل أن يتولى لاحقًا مناصب سياسية وإعلامية بارزة.

السينما لم تتعامل مع هذه الوقائع بوصفها محاضر تحقيق، وإنما حولتها إلى دراما تكشف آليات السلطة عندما تنحرف عن دورها. وهنا يبرز اسم الكاتب الكبير وحيد حامد، الذي أدرك مبكرًا أن الفن يستطيع أن يقول ما تعجز السياسة عن التصريح به.

في فيلم “كشف المستور”، لم يكن الهدف تقديم قصة عن امرأة فحسب، بل تشريح منظومة كاملة تقوم على استغلال الإنسان وتحويله إلى وسيلة للسيطرة والابتزاز باسم المصلحة العامة. لذلك لم يكن مستغربًا أن يثير الفيلم جدلًا واسعًا، وأن يرى كثير من النقاد أنه يستلهم مناخ قضية انحرافات المخابرات دون أن يذكر أسماءً بعينها، مكتفيًا بالإيحاء والرمز، وهي اللغة التي أتقنها وحيد حامد طوال مسيرته.

ولم يكن “كشف المستور” العمل الوحيد الذي اقترب من هذه المنطقة. فقد سبقته أعمال مثل “الكرنك” الذي تناول القمع الأمني في الستينيات، وتبعه “البريء” و”ملف في الآداب” و”طيور الظلام”، وهي أفلام اختلفت موضوعاتها، لكنها اجتمعت على سؤال واحد: ماذا يحدث عندما تتحول مؤسسات الدولة من أدوات لحماية المجتمع إلى أدوات للهيمنة عليه؟

المثير في هذه الأفلام أنها لم تكن تقدم إجابات جاهزة، بل كانت تضع المشاهد أمام حقيقة مؤلمة أن السلطة عندما تغيب عنها الرقابة والمساءلة، يصبح الإنسان أول الضحايا، مهما كانت الشعارات المرفوعة.

لقد أثبت الزمن أن السينما ليست مجرد انعكاس للواقع، بل قد تكون قراءة استشرافية له. فما اعتبره البعض مبالغة أو خيالًا سياسيًا عند عرض تلك الأفلام، عاد لاحقًا ليصبح جزءًا من نقاش تاريخي واسع حول تلك المرحلة، بعد نشر شهادات ووثائق وتحقيقات تناولت بعض ما جرى داخل أجهزة الدولة في تلك الحقبة.

إن القيمة الحقيقية لهذه الأعمال لا تكمن في اتهام أشخاص أو إصدار أحكام تاريخية، وإنما في دفاعها عن فكرة جوهرية مفادها أن قوة الدولة لا تُقاس بحجم أجهزتها، بل بقدرتها على الخضوع للقانون، وأن السينما، عندما تكون صادقة، تستطيع أن تحفظ ذاكرة الشعوب، وأن تفتح الملفات التي يحاول الزمن إغلاقها.

وهكذا، أثبتت السينما المصرية أنها لم تكن مجرد فن للفرجة، بل كانت ضميرًا حيًا يقرأ التاريخ، ويطرح أسئلته بشجاعة، ويؤكد أن الحقيقة قد تجد طريقها إلى الشاشة قبل أن تجد طريقها إلى الوثائق.

قد يعجبك ايضا