أحمد حسن الرحيم… سيرة عقلٍ تربويٍّ لم يغادر إنسانيته

محمد علي محيي الدين

وُلد الدكتور أحمد حسن الرحيم في النجف عام 1920، أو 1921 كما تورد بعض المصادر، في مدينةٍ اعتادت أن تُنجب للمعرفةرجالها، وللثقافة حَمَلَتَها. هناك، حيث تتجاور الحوزة والمدرسة،وتشترك اللغة مع الفكرة في صناعة الوعي، تشكّلت بذور شخصيتهالتي ستنمو لاحقًا في ميادين التربية والفكر والترجمة.
بدأ مسيرته العلمية في دار المعلمين العالية، فنال منها ليسانساللغة العربية عام 1947، قبل أن يشدّ الرحال إلى الولايات المتحدةالأمريكية، حيث حصل على درجة الماجستير في التربية وعلم النفسمن كلية جورج بيدبي في ناشفيل، ثم أتم دراسته العليا بنيلالدكتوراه في التربية من جامعة تينيسي، ليعود محمّلًا بأدواتمعرفية حديثة، ساعيًا إلى توطينها في بيئةٍ كانت بأمسّ الحاجة إلىتحديث مناهجها التربوية والنفسية.
لم يكن الدكتور الرحيم أستاذًا عابرًا في جامعة بغداد، بل كان أحدأعمدتها الراسخة في كلية التربية، حيث درّس أجيالًا متعاقبة، وتركأثرًا واضحًا في طلابه وزملائه على حدّ سواء. وقد تولّى رئاسة قسمالتربية وطرق التدريس، وأسهم في رسم ملامح العملية التربوية فيواحدة من أهم المؤسسات الأكاديمية في العراق. ولم يكن حضورهإداريًا أو تدريسيًا فحسب، بل كان حضورًا إنسانيًا دافئًا، يشهد لهبه من عاصروه، إذ وصفه عبد الرزاق الهلالي في كتابه “أدباءالمؤتمر” بأنه أستاذ متمكن، متميز في علاقاته، قريب من طلابهوزملائه.
وفي موازاة عمله الجامعي، انخرط في البحث العلمي من خلالمركز البحوث التربوية والنفسية، حيث عمل باحثًا وأسهم في إصدارعدد من الدراسات المهمة منذ ستينيات القرن الماضي، فكان منأوائل من سعوا إلى بناء قاعدة علمية رصينة لعلم النفس التربويفي العراق. كما شارك في الجهد الوطني لمحو الأمية، عضوًا فيلجنة المتابعة المركزية للمجلس الأعلى للحملة الوطنية الشاملة، إيمانًامنه بأن التعليم ليس مهنة، بل رسالة تتصل بجوهر الإنسان.
تنقّل الدكتور الرحيم بين الخدمة والتقاعد أكثر من مرة، في سيرةٍتعكس حاجة المؤسسة الأكاديمية إليه بقدر ما تعكس إخلاصه لها؛فأُحيل على التقاعد عام 1986، ثم أعيد إلى الخدمة عام 1993،ليُحال ثانية عام 1997، قبل أن يواصل عمله بصيغة التعاقد، ويُعادتعيينه مرة أخرى عام 2006 حتى تقاعده الأخير عام 2008. كانتهذه العودة المتكررة أشبه باعترافٍ متجدد بقيمة علمه وخبرته، وبأنالعقول الكبيرة لا يُغلق بابها بقرار إداري.

أما نتاجه العلمي، فقد كان غزيرًا ومتنوعًا، جمع فيه بين التأليفوالترجمة، بين التأصيل والتحديث. من أبرز كتبه “الفلسفة فيالتربية والحياة” الصادر عام 1978، وهو عمل يكشف عن نزوعهإلى الربط بين الفكر الفلسفي والممارسة التربوية، إلى جانب مؤلفاتأخرى مثل “أصول تدريس اللغة العربية والتربية الدينية”، و”الطرقالعامة في التربية”، و”مبادئ التربية” بالاشتراك مع زملائه، و”دورالتربية العربية الإسلامية في اتقاء الجريمة”، و”الأبعاد الفلسفيةوالنفسية للتربية عند ابن سينا”، و”بحث نفسي في تكوين بعضالعمليات العقلية”، و”نظرية التعلم عند النفساني السلوكي كلاركهل”، و”تقييم المناهج الدراسية” (1996)، فضلًا عن كتب مدرسيةمثل “قواعد اللغة العربية للصف السادس الابتدائي”. وقد أصبحتكثير من هذه المؤلفات مراجع معتمدة في أقسام التربية وعلمالنفس، داخل العراق وخارجه.
وفي ميدان الترجمة، نقل إلى العربية أعمالًا أساسية أسهمت فيتعريف القارئ العربي بأهم التيارات التربوية والنفسية الغربية،فترجم كتاب “المدرسة والمجتمع” للفيلسوف التربوي جون ديوي،و”تفسير السلوك” لـ فرانك كابريو، و”طبيعة الإنسان البايولوجيةالاجتماعية” لـ أشلي موناكو، في جهدٍ يدل على وعيه بأهمية الجسرالمعرفي بين الثقافات.
ولم يكن الدكتور الرحيم حبيس التنظير الأكاديمي، بل كان أيضًاصاحب قلمٍ حاضر في الصحف والمجلات، كتب الدراساتوالمقالات، ولامس قضايا المجتمع والتربية بلغة تجمع بين العمقوالوضوح. كما كتب الشعر، ونشر عددًا من قصائده، ليكشف عنوجهٍ آخر لشخصيته، حيث تتجاور الصرامة العلمية مع حساسيةالشاعر.
إن سيرة أحمد حسن الرحيم ليست مجرد سجلٍ وظيفي أو قائمةمؤلفات، بل هي حكاية جيلٍ آمن بأن المعرفة قادرة على تغيير الواقع،وأن التربية ليست نقلًا للمعلومات بقدر ما هي بناءٌ للإنسان. لقدعاش حياته بين الكتاب والطلبة، بين الفكرة والتطبيق، وترك أثرًايصعب أن يُمحى، لأن ما يُغرس في العقول يظل حيًّا، حتى بعد أنيغيب أصحابه.

قد يعجبك ايضا