شرخ في مرآة الصداقة ..قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

لم يزرني النوم بعد تلك الحادثة لعدة أيام خلت . ففي كل ليلة كنت أترقب بخوف وتوجس . ان دائرة الأمن ، تبعث بطلبي لتحقق معي بسبب تهوري وما انطلق به لساني بتلك الكلمات التي جعلت الوساوس تجثم فوق أنفاسي كل ليلة . ومما زاد الطين بلة ان كل أفراد أسرتي قد وجهوا لي أشد اللوم والتقريع لما بدر مني في ذلك اليوم النحس رافقني الندم وجلد الذات خوفا ورعبا عليهم وعلى نفسي .

تأخرنا عن محفل فاتحة الشهيد ، فجئنا والجمع قد انفض . لا أحد هنا . فالشهيد قد رحل الى خلوده الأبدي ، ولم يترك خلفه الا صمتا مهيبا يروي حكاية لوعة امرأة ثكلى وأخت تجلس وحيدة قرب صورته .

ردتْ صديقتي التحية بصوت خليط بين حشرجة وأنين . جلستُ بجانبها بصحبة أمي دون ان نتكلم الا بكلمات التعزية على روح أخيها الشهيد (عماد) مع قراءة سورة الفاتحة ثم ساد صمت لمدة غير قليلة . كانت أمي تجيد الحديث بمثل هذه المواقف وصديقتي وأمها تتظاهران بالقوة والتماسك ولكن آثار الحزن بادية عليهما . الجو العام يوحي بكآبة حادة . لاذ الجميع بصمت طويل . فالمرء تخرس كلماته في محراب الفقد لشاب في مقتبل العمر . مع توجس واحساس بخطر من يتفوه ببعض الكلمات والحذر من مغبة ان تفهم بشكل مختلف .

انتقلت نظراتي الى جدران الغرفة المتهالكة وهي توحي ان الدار قديم جدا وقد بذلوا جهودا كبيرة لتبدو أفضل حالا . عمدوا لتغطية الجزء الأكبر منه بقطع النايلون السميك ليخفي عيوب التآكل فيه . هناك صورة لرجل يرتدي الزي العربي وربما هو والد صديقتي وصور أخرى لأطفال لا أعرفهم . الا ان الصورة التي لفتت انتباهي لكبر حجمها وكونها الوحيدة بين الصور كانت مزججة بعناية مختلفة وكانت لرئيس تلك المرحلة . وحيث حرب الثماني سنين ما زالت طاحنة بشراستها المعهودة . كان صاحب الصورة يبدو ضاحكا ملء ثغره وكأنه لا يدري بما تعانيه الأمهات الثكالى والعوائل الفقيرة بالذات . ولا يدري ان عماد هو الرجل الوحيد المعيل لهذه العائلة بعد وفاة والده . وان هذا البيت المتهالك لا تعود ملكيته لهم .

وانهم فيما بعد أجبروا أبنتهم ( صديقتي) على ترك الدراسة لتعمل في أحد مصانع التصنيع العسكري . كنت أعتز بصداقتها فقد ضحت بمستقبلها من أجل اسرتها رغم ما كانت تتمناه سابقا .

شعرتُ بحزن شديد لاستشهاد عماد كونه أصغر مني سنا وكانت أخته تصحبه معها خلال السفرات المدرسية أو أيام الاحتفال بالمناسبات المدرسية أو الوطنية أيام المرحلة المتوسطة . كان طفلا جريئا حاضر البديهة ، يرد على من يسأله بطريقة محببة . وحين فرقتنا ظروف الحياة واتجهت كل منا بطريقها لم نعد نلتقي الا مصادفة .

ولكن بعد سنين رأيته شابا يافعا مع صديقتي فكان يلقي تحيته بخجل وتواضع وحين ذكرته بمناكفاته التي كان يفتعلها كان يبتسم وتحمرّ وجنتاه دون ان يتكلم .

غاضني منظر الصورة المزججة وضحكة صاحبها العريضة . فسرح خيالي الى الأرض التي يرقد تحتها عماد وهي تحتضنه وتضغطه بحضنها البارد المخيف والضباع البرية تتصايح من حوله بكل شراستها . بينما يكون صاحب الصورة محتفلا بعيد ميلاده .

كان الحديث مع نفسي سرا . ولكن انفلتت من فمي كلمات مسموعة دون وعيي فقلت : ـ أنظروا الى الصورة انه بالتأكيد يضحك على مآسينا ولا يهمه من أمرنا شيئ . ليس وحدكم متعبين بل كلنا نعيش حياة البؤس والخوف والرعب . تتجمد الدماء في عروقنا حين يطرق أحدهم بابنا وترعبنا حتى هذه الجدران الصامتة .

غمرتني صديقتي بنظرة حزينة وأشارت لي بالسكوت بإشارة منها . بينما رمقتني أمي بنظرة لوم وعتب . وهي تضغط بأسنانها على شفتها السفلى .

ولكن ما جعل جسدي يرتعد خوفا هو حركة غير متوقعة من أم صديقتي فقد نهضت بوثبة مفاجأة وهوت بكامل جسدها فوقي وغطت عباءتها رؤيتي وهي تصرخ بعصبية وامتعاض . أين المسجل . ؟؟؟ أخرجيه بسرعة ايتها الخائنة . !!! وما زالت تبعثر بعباءتي وتفتش بحقيبتي بيدين مرتجفتين وصراخ مستمر وكأنها ليست هي نفس المرأة التي استقبلتنا بهدوء تام .

أجبتها وصوتي يرتجف خوفا وقلبي يخفق خفقانا سريعا :ـ عن أي شيء تبحثين .؟؟ وماذا تقصدين بالمسجل . ؟؟ لا أدري ماذا تعنين . !!

قالت :ـ تعرفين ماذا أعني بالضبط . يا لك من صديقة مدسوسة .

أمي لحد هذه اللحظة كانت محافظة على صمتها لكنها تراقب الأحداث ففهمت ماذا تعني المرأة بهذا التصرف . نهضتْ من مكانها وهي غاضبة ثم واجهت المرأة ومنذرة اياها بقولها : ـ كفي عن تصرفك الأهوج . لسنا من النوع الذي تقصدين . ثم رفعت عباءتها ونفضتها ونفضت ثوبها ثم سحبت عباءتي ورمتها على الأرض . ودلقت محتويات حقيبتي فوقها . ثم بطريقة الأمر قالت لها :ـ فتشي بما يحلو لك . فان وجدت شيئا فعليك ان تبصقي بوجهينا .جئنا من أجلكم لنقدم واجب العزاء .

ان الأنسان ليخجل عندما يتصرف بوقاحة في لحظة غضب . قالت أم صديقتي . وفعلا خجلها واضح باحمرار وجهها .

وأخيرا تربعت على الأرض وهي تضرب بكلتا يديها فوق ركبتيها وتقول : ـ لقد فعلتها احداهن قبل عدة أيام وسجلت لنا كلاما من هذا القبيل . وهي من استدرجتني للحديث ثم أوصلته لهم . لذلك بعثت الينا دائرة الأمن انذارا . ان لا نفقد السيطرة بسبب استشهاد ولدنا ونتحدث بسوء على السلطة .

ثم تابعت كلامها :ـ طلبوا مني ان أحضر الى هناك ووقعت بهذه اليد ورفعت يدها بعصبية . نعم وقعت على التعهد بعدم تكرارها .

ان خسارة ولدي بكفة واذلال امرأة بعمري بألف كفة .

قد يعجبك ايضا