نبيل عبد الأمير الربيعي
يمثل الدكتور نوري جعفر أحد أبرز الأسماء العراقية التي سعت إلى بناء رؤية علمية متكاملة لفهم الإنسان من خلال ربط علم النفس بالتربية والفسلجة العصبية، في محاولة جادة لتفسير الظواهر العقلية والسلوكية بعيداً عن الغموض والتأويلات غير العلمية. ومن بين أهم القضايا التي تناولها في هذا السياق، تأتي مسألة الإبداع وآليات الدماغ بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيداً وثراء في الفكر الإنساني.
لم يكن نوري جعفر ينظر إلى الإبداع بوصفه حالة استثنائية خارقة، بل باعتباره نتاجاً مباشراً لتفاعل البنية العصبية مع الخبرة والتربية واللغة والبيئة، أي أنه عملية يمكن تفسيرها علمياً ضمن عمل الدماغ ومراكزه المختلفة.
ينطلق د. نوري جعفر من تصور علمي يعتبر الدماغ مركز النشاط العقلي كله، وأن كل أشكال التفكير، بما فيها الإبداع، هي انعكاس مباشر لوظائف عصبية معقدة. فالإبداع لا ينفصل عن الذاكرة أو الإدراك أو الانتباه، بل يتشكل من خلال تفاعل هذه العمليات داخل الجهاز العصبي.

ومن هنا، يصبح الإبداع عملية إعادة تنظيم للخبرة داخل الدماغ بحيث يتم إنتاج علاقات جديدة بين عناصر معرفية قديمة، في شكل أفكار أو صور أو مفاهيم مبتكرة.
في إطار تحليله لوظائف الدماغ، يقدم نوري جعفر تصوراً مهماً يتعلق بتقسيم النشاط الإبداعي والمعرفي على أساس المراكز المخية، ولاسيما المركزين الرئيسيين: المراكز المخية اللغوية، والمراكز المخية الحسية.
فبحسب هذا التصور، فإن سيادة أحد هذين المركزين في الدماغ تلعب دوراً حاسماً في تحديد طبيعة الميول الإبداعية والمعرفية لدى الإنسان.
فالأفراد الذين تتقدم لديهم المراكز المخية اللغوية يتميزون بقدرة عالية على التحليل والتجريد واستخدام اللغة بوصفها أداة تفكير وهؤلاء غالباً ما يقتربون من مجالات العلم والفكر والفلسفة، كما يمكن أن يظهروا في ميادين الفن الذي يعتمد على البناء اللغوي أو الرمزي.
أما الذين تتقدم لديهم المراكز الحسية، فإنهم يميلون إلى الإدراك المباشر، والتجربة الحسية، والتصوير الوجداني، وهؤلاء ممن تتقدم لديهم المراكز المخية الحسية، فإنهم يميلون إلى الادراك المباشر، والتجربة الحسية، والتصوير الوجداني، وهؤلاء يقتربون أكثر من مجالات الشعر والأدب والفنون التي تعتمد على الإحساس والتخيل والانفعال.
ويذهب نوري جعفر إلى أن هناك فئة ثالثة من الناس تتميز بـ توازن نسبي بين المراكز اللغوية والحسية، وهؤلاء يمثلون ما يمكن تسميته بـ(الإنسان العام)، أي الإنسان الذي لا يغلب عليه نمط معرفي واحد، بل يمتلك قدرة متوازنة على التفكير اللغوي والتحسس الوجداني في آن واحد.
هذا التوازن، في رأيه، هو ما يمنح الشخصية الإنسانية مرونتها وقدرتها على التكيف، لكنه لا يفضي بالضرورة إلى تفوق إبداعي متخصص كما هو الحال عند أصحاب الهيمنة الواضحة لأحد المركزين.
لا يكتفي نوري جعفر بتفسير الإبداع عبر البنية الدماغية فقط، بل يربطه أيضاً بالتجربة والتعلم والبيئة الثقافية. فالمراكز المخية، رغم أهميتها، لا تعمل بمعزل عن التدريب التربوي والخبرة الحياتية. ولذلك فإن الإبداع، في تصوره، هو حصيلة تفاعل بين:
-البنية العصبية (المراكز المخية)
-الخبرة المكتسبة
-اللغة والتعلم
-البيئة الاجتماعية والثقافية
وبهذا يصبح الدماغ بنية ديناميكية قابلة للتشكل، لا جهازاً ثابتاً.
وتأثر نوري جعفر بنظرية إيفان بافلوف في (المنعكسات الشرطية)، حيث يرى أن التعلم يعيد تشكيل الاستجابات العصبية داخل الدماغ. ومن هنا فإن الإبداع ليس لحظة مفاجئة، بل هو نتيجة تراكم طويل من الخبرات التي يعاد تنظيمها داخل الجهاز العصبي.
وبذلك يصبح الإبداع نوعاً من (التعلم المعقد)، الذي يعتمد على قدرة الدماغ على الربط بين خبرات متعددة وإعادة تركيبها في صور جديدة.
يشير نوري جعفر إلى أن عمليتي الإثارة والكف تلعبان دوراً أساسياً في تنظيم النشاط العصبي. فالإثارة تمثل تنشيط الخلايا العصبية بينما الكف يمثل ضبط هذا النشاط وتنظيمه.
ظ الإبداع، يتطلب الأمر توازناً دقيقاً بين القوتين؛ فالإفراط في الإثارة يؤدي إلى فوضى ذهنية، والإفراط في الكف يؤدي إلى جمود فكري، بينما الإبداع الحقيقي يتولد من حالة وسطية تسمح بالتدفق المنظم للأفكار.
يرى نوري جعفر أن المنظومة الإشارية الثانية (اللغة) تمثل أعلى مستويات تطور الدماغ البشري، إذ تسمح بتحويل الخبرة إلى رموز والرموز إلى أفكار، والأفكار إلى إبداع.
ومن هنا فإن العلماء والمفكرين والفنانين الذين يشتغلون على المستوى اللغوي الرمزي، يعتمدون بشكل أساسي على هذا النظام الدماغي المتقدم، الذي يتيح لهم بناء مفاهيم وتجريدات عقلية معقدة.
في المقابل، يشير إلى أن الإبداع الأدبي والشعري يرتبط بشكل أكبر بالمراكز الحسية في الدماغ، حيث تلعب الانفعالات والتصورات والخيال دوراً أساسياً في إنتاج النصوص والصور الفنية. فالشاعر في هذا التصور، هو نتاج تفاعل عميق بين الإحساس والتجربة الداخلية، وليس مجرد استخدام لغوي مجرد.
وعندما تتوازن المراكز اللغوية والحسية، يتشكل نوع من الإدراك المتكامل الذي يسمح بإنتاج إبداع متعدد الأبعاد، يجمع بين العقل والعاطفة، وبين التجريد والحس، وبين التحليل والتصوير.
وهذا التوازن، في نظر نوري جعفر ما يميز الشخصية الإنسانية العامة، ويمنحها القدرة على التفكير المتوازن، وإن لم تصل بالضرورة إلى مستوى التخصص الإبداعي العميق.
وعندما تتوازن المراكز اللغوية والحسية، يتشكل نوع من الإدراك المتكامل الذي يسمح بإنتاج إبداع متعدد الأبعاد، يجمع بين العقل والعاطفة، وبين التجريد والحس، وبين التحليل والتصوير.
وهذا التوازن في نظر نوري جعفر، هو ما يميز الشخصية الإنسانية العامة، ويمنحها القدرة على التكيف والتفكير المتوازن، وإن لم تصل بالضرورة إلى مستوى التخصص الإبداعي العميق.
وفي الختام: إن نظرية نوري جعفر في الإبداع وآليات الدماغ تمثل محاولة علمية مبكرة لفهم العقل الإنساني ضمن إطار فسيولوجي نفسي متكامل يربط بين البنية العصبية واللغة والخبرة والبيئة. وهي رؤية تتجاوز التفسير التقليدي للإبداع بوصفه موهبة غامضة، لتقدمه بوصفه وظيفة دماغية قابلة للفهم والتحليل.
وبذلك يظل نوري جعفر واحداً من المفكرين الذين حاولوا نقل علم النفس في العراق والعالم العربي من دائرة الوصف العام إلى دائرة التفسير العلمي الدقيق، واضعين الإنسان في قلب مشروع معرفي يرى في العقل أداة النهضة والإصلاح والخلق الإنساني المتجدد.