أكرم فهمي… رجلٌ حمل الرياضة العراقية إلى العالم

 

 

محمد علي محيي الدين

 

في تاريخ العراق الحديث أسماءٌ كثيرة مرّت على الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية، غير أن أسماءً قليلة فقط استطاعت أن تتحول إلى علاماتٍ راسخة في ذاكرة الوطن. ومن بين تلك الشخصيات يبرز اسم أكرم فهمي بوصفه واحداً من الروّاد الذين صنعوا ملامح الرياضة العراقية الحديثة، ووضعوا أسس الحركة الأولمبية وكرة القدم والتربية البدنية في العراق، حتى غدا حضوره جزءاً من البدايات الأولى لنهضة الرياضة العراقية في القرن العشرين.

 

 

 

وُلد أكرم فهمي في بغداد سنة 1912، في بيئة بغدادية شعبية يُرجَّح أنها كانت في محلة الفضل أو ما جاورها، حيث تشكّلت شخصيته الأولى وسط مدينةٍ كانت تستيقظ على تحولات كبرى بعد قيام الدولة العراقية الحديثة. درس في مدرسة البارودية، ومنذ شبابه المبكر ظهرت ميوله نحو الرياضة والتربية البدنية، فكان يرى في الرياضة أكثر من لعبة أو تسلية؛ كان يعدّها وسيلة لبناء الإنسان، وصناعة جيلٍ يمتلك القوة والانضباط والثقة بالنفس.

في مطلع الثلاثينيات أرسلته وزارة المعارف في بعثة علمية إلى السويد، ليكون أول عراقي يوفد لدراسة العلوم الرياضية الحديثة والتربية البدنية في واحدة من أهم المؤسسات المتخصصة آنذاك. هناك تعرّف إلى المدارس الرياضية الأوروبية، وأتقن فنون الألعاب البدنية والحركات السويدية والجمناستك، حتى مارس التدريس داخل المعهد نفسه بعد نجاحه اللافت، وهو أمر لم يكن يُمنح إلا للمتفوقين الذين أثبتوا تمكنهم العلمي والعملي. ولم تكن رحلته الدراسية مجرد تحصيل أكاديمي، بل كانت بداية مشروعٍ متكامل لنقل الثقافة الرياضية الحديثة إلى العراق.

عاد أكرم فهمي إلى بغداد محملاً بالأفكار والطموحات، مؤمناً بأن الرياضة المدرسية هي القاعدة الحقيقية لأي نهضة رياضية وطنية. لذلك كرّس جهده للعمل في وزارة المعارف، وأسهم في إدخال الحركات السويدية والجمناستك إلى المدارس العراقية، بعدما أثبتت التجارب العالمية أهميتها الصحية والتربوية. وبفضل جهوده أصبحت الرياضة جزءاً أساسياً من المناهج الدراسية، وخصصت المدارس حصصاً منتظمة لها، فبدأت الأجيال العراقية تتعرف إلى مفهوم التربية البدنية بوصفها علماً وتربيةً وسلوكاً.

 

 

ولم يكن تأثيره مقتصراً على التعليم المدرسي، بل امتد إلى الحياة الرياضية العامة. فقد شهدت بغداد في الثلاثينيات مهرجانات رياضية كبيرة كان أكرم فهمي من أبرز منظميها، ومنها عروض الجمناستك الجماعية التي أثارت إعجاب الزائرين والشخصيات الرسمية، حتى إن ولي عهد السويد – الذي أصبح ملكاً فيما بعد – حضر أحد تلك المهرجانات في بغداد، وشاهد آلاف الطلبة والطالبات وهم يؤدون العروض الرياضية المنظمة في مشهدٍ غير مسبوق في المجتمع العراقي آنذاك.

وفي الوقت الذي كانت فيه الرياضة العراقية لا تزال في طور التكوين، كان أكرم فهمي يفكر بعقلية المؤسس لا بعقلية الموظف. لذا شارك سنة 1936 مع عدد من رواد الرياضة العراقية في أول محاولة لتأسيس لجنة أولمبية عراقية، حين اجتمع الرياضيون في مقهى المربعة على ضفاف دجلة ببغداد، ليطلقوا الشرارة الأولى للحركة الأولمبية العراقية. ورغم أن تلك المحاولة لم تحظَ باعتراف دولي، فإنها وضعت اللبنات الأولى لفكرة تمثيل العراق في المحافل الرياضية العالمية.

وفي عام 1938 تخرج في الكلية العسكرية العراقية، فجمع بين الانضباط العسكري والثقافة الرياضية، وهو ما انعكس على شخصيته القيادية لاحقاً. وتولى مناصب عدة، من بينها مدير التربية البدنية في وزارة المعارف، وعمادة معهد التربية البدنية في جامعة بغداد، وأسهم في إعداد أجيال من المدرسين والرياضيين الذين حملوا المشروع الرياضي العراقي إلى مراحل أكثر تطوراً.

كان يؤمن بأن العراق يجب أن يكون حاضراً بين الأمم، حتى وإن كانت إمكاناته الرياضية متواضعة قياساً بالدول المتقدمة. ومن هذا الإيمان جاءت مساعيه الحثيثة لانتزاع الاعتراف الدولي باللجنة الأولمبية العراقية، وهو ما تحقق لاحقاً في أربعينيات القرن الماضي، ليصبح العراق عضواً في الأسرة الأولمبية الدولية. وحين شارك العراق لأول مرة في أولمبياد لندن عام 1948، كان أكرم فهمي رئيساً للوفد الرياضي العراقي، في خطوة تاريخية مثّلت دخول العراق رسمياً إلى العالم الأولمبي.

 

 

 

لقد كانت تلك المشاركة، رغم بساطتها، عملاً شجاعاً بكل المقاييس، لأن العراق آنذاك لم يكن يمتلك البنية الرياضية الحديثة ولا الخبرات الفنية الكافية، لكن أكرم فهمي كان يرى أن البداية أهم من النتائج، وأن الظهور في المحافل الدولية هو الطريق نحو بناء رياضة وطنية حقيقية. ولهذا ظلّ حاضراً في كل مفصل من مفاصل تطور الرياضة العراقية، سواء من خلال عمله الإداري، أو عبر المؤتمرات الدولية التي شارك فيها، أو من خلال علاقاته الواسعة بالمؤسسات الرياضية العالمية.

كما كان لأكرم فهمي دور محوري في تأسيس اتحاد كرة القدم العراقي سنة 1948، وهي الخطوة التي مهدت لانضمام العراق إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” سنة 1950. وكان من أوائل من أدركوا أن كرة القدم ستصبح اللعبة الشعبية الأولى في البلاد، لذلك عمل على تنظيمها إدارياً وفنياً، وشجع تأسيس الأندية والبطولات المحلية، وأسهم في بناء العلاقة بين الرياضة العراقية والمؤسسات الرياضية الدولية.

ولم يقتصر اهتمامه على الإدارة والتنظيم، بل ترك بصمته الفكرية أيضاً، فأصدر كتابه “الألعاب الأولمبية الحديثة” سنة 1937، كما شارك في تأليف كتاب “سر النجاح في كرة القدم” في العام نفسه، في وقتٍ كانت فيه المكتبة الرياضية العراقية شبه خالية من المؤلفات المتخصصة. وكانت تلك الكتب تعبيراً عن وعي مبكر بأهمية الثقافة الرياضية ونشر المعرفة العلمية بين الرياضيين والمدربين.

وعندما دخل العراق مرحلة جديدة بعد ثورة 14 تموز 1958، كان أكرم فهمي حاضراً مرة أخرى في إعادة تنظيم الحركة الأولمبية العراقية، وتولى رئاسة اللجنة الأولمبية، وأسهم في توسيع علاقات العراق الرياضية مع دول العالم، واستقدام المدربين والخبراء، وإرسال البعثات الدراسية إلى الخارج. ثم جاءت مشاركة العراق في أولمبياد روما سنة 1960، التي شهدت تحقيق العراق أول ميدالية أولمبية عبر الرباع عبد الواحد عبد العزيز، لتكون ثمرةً من ثمار الجهود التراكمية التي شارك أكرم فهمي في بنائها منذ الثلاثينيات.

لقد كان أكرم فهمي واحداً من الرجال الذين عملوا بصمت وإخلاص، بعيداً عن الأضواء والصخب، فصنعوا تاريخاً كاملاً بأيديهم. ومع ذلك، فإن هذه الشخصية الكبيرة لم تنل ما تستحقه من إنصافٍ في الذاكرة الرياضية العراقية، رغم أنه كان من أوائل الذين وضعوا الأساس الحقيقي للحركة الرياضية والأولمبية في العراق. فقد عاش مؤمناً بأن الرياضة رسالة وطنية وإنسانية، وأن بناء الإنسان أهم من تحقيق الانتصارات العابرة.

وربما لهذا السبب بقي اسمه حاضراً في ذاكرة الرواد والباحثين بوصفه “عميد الحركة الأولمبية العراقية”، والرجل الذي حمل حلم الرياضة العراقية من ساحات المدارس البغدادية إلى الملاعب الأولمبية العالمية، تاركاً وراءه إرثاً كبيراً يستحق أن يُروى للأجيال بوصفه جزءاً من تاريخ العراق الحديث وروحه المتطلعة إلى الحياة والتقدم.

ورغم المكانة الكبيرة التي احتلها أكرم فهمي في تاريخ الرياضة العراقية، فإن اسمه لم ينل ما يليق به من حضورٍ في الذاكرة الرسمية والإعلامية، قياساً بما قدمه من جهود تأسيسية للحركة الأولمبية وكرة القدم والتربية البدنية في العراق. وقد ظل هذا التهميش مثار تساؤل لدى كثير من الباحثين والمهتمين بتاريخ الرياضة العراقية، لاسيما أن الرجل كان أحد أبرز صناعها الأوائل وأكثرهم تأثيراً.

وربما يعود جانب من هذا الإهمال إلى الظروف السياسية القاسية التي مر بها العراق في العقود اللاحقة، ولا سيما بعد إعدام نجله الشهيد فالح أكرم فهمي، بطل العراق والعرب في ألعاب الساحة والميدان، وبطل الجيش العراقي لسنوات طويلة، وأحد مؤسسي الرياضة العسكرية، على يد نظام صدام حسين. فقد انعكست تلك المأساة على حضور العائلة في المشهد الرياضي والإعلامي، وألقت بظلالها الثقيلة على إرث أكرم فهمي نفسه.

توفي عام 1979 وسيبقى أكرم فهمي واحداً من الشخصيات العراقية التي تستحق إعادة القراءة والإنصاف، لا بوصفه رائداً رياضياً فحسب، بل بوصفه إنساناً آمن بالعراق وطناً جامعاً، وسخّر حياته لبناء جيلٍ يؤمن بالعلم والرياضة والعمل والانتماء الوطني.

قد يعجبك ايضا