ا.د. محمد بهجت ثامر
تعتبر الزراعة بشكل عام اليوم من أهم مصادر الأمن الغذائي في العالم ،اذ تحظى بأهمية خاصة في حياة الإنسان كونها توفر المقومات الأساسية لحياته فبالإضافة لمساهمتها في الناتج المحلي وفي توفير فرص العمل فإن الزراعة قطاع هام من ناحية التطور الاقتصادي والاجتماعي وخصوصاً لدى الدول النامية لتخفيف حدة الفقر ولتحقيق التنمية المستدامة، لكن في العراق يواجه الفلاحين تاريخاً طويلاً من التهميش والاستغلال الذي مارسته طبقات إقطاعية استولت على مقدراتهم بذرائع اجتماعية وتاريخية هذا التهميش لم يكن وليد الصدفة بل جاء نتيجة صمت القوى التقليدية التي ربطتها المصالح مع الشيوخ وأصحاب النفوذ منذ مطلع القرن العشرين .
يُعد المؤرخ والباحث الفلسطيني حنا بطاطو من أهم الاشخاص الذين تناولوا واقع الفلاحين وحجم معاناتهم في الريف العراقي وذلك في كتابه الشهير (الشيخ والفلاح) ، حيث وثق بدقة مفرطة الظلم التاريخي الذي تعرضوا له وتحديداً في حقبة الإقطاع وسيطرة شيوخ العشائر وأسباب انتفاض الفلاحين ودورهم بتكوين النظام السياسي والاجتماعي في العراق، وبعد عقدين في القرن الحالي عانوا الفلاحين كثيرا بسبب التغيرات المناخية والتي تسببت بانخفاض منسوب نهرا دجلة والفرات واللذان يؤمنان احتياجات مياه الري لأغلب الأراضي الزراعية في العراق مما اضطرت الحكومة الى اتخاذ قرار بحظر الزراعة الصيفية في جميع أنحاء البلاد بسبب شح المياه الحاد وهي خطوة تؤكد مدى خطورة أزمة المياه المتفاقمة سنة بعد أخرى في العراق، اذ تم اعطاء الأولوية القصوى لتوفير المياه الضرورية للاستهلاك البشري والبستنة الأساسية، وهذا يشير إلى تحول عميق في استراتيجية إدارة المياه الوطنية، اذ تم منع زراعة محصول الشلب الصيفي، وهو محصول ذو أهمية تاريخية في العراق، وستقتصر الزراعة الصيفية الأخرى على الخضروات فقط بهدف الحفاظ على احتياطيات المياه المتضائلة، والتي تأثرت بشدة التغيرات المناخية ، وانخفاض تدفقات الأنهار من دول المنبع. هذه التحديات شكلت ضغطا كبيراً على الفلاحين والذين خرجوا بتظاهرات كبيرة وسط بغداد للمطالبة بحقوقهم المالية وطرح مطالبهم المشروعة.
ختاماً نقول على الحكومة وضع خطط واستراتيجيات للنهوض بالقطاع الزراعي في العراق ، وهذا يكون من خلال إقرار هذه الخطط بقانون لتجنب عدم تنفيذها، وأن تكون وفق رؤية اقتصادية شاملة لتنمية الزراعة وذلك عبر اعتماد حوافز تشجيعية للفلاحين ودعمهم بالقروض المالية بدون فائدة مع تثقيفهم بضرورة اتباع طرائق حديثة في الري الزراعي (الري بالتنقيط) بدل طريقة (الري بالغمر) وإيجاد وسائل تسويقية جديدة للمنتجات الزراعية.