د. ضياء عبد الخالق المندلاوي
في الذكرى الثانية والخمسين لاستشهاد البطلة الكوردستانية ليلى قاسم حسن، تقف الكلمات بإجلال أمام قامة وطنية تحولت إلى أيقونة خالدة في تاريخ النضال الكوردي، وإلى شعلة أضاءت بدمها طريق الحرية والكرامة. نستحضر اليوم سيرة امرأة لم تكن مجرد مناضلة في زمن القهر والاستبداد، بل كانت صوت شعبٍ وقضية وطنٍ ورمزاً لإرادة كوردستان التي رفضت الخضوع والانكسار.
وُلدت الشهيدة ليلى قاسم في مدينة خانقين على ضفاف نهر الوند، ونشأت في بيئة مشبعة بحب الوطن والانتماء القومي، فامتلكت منذ طفولتها وعياً وطنياً مبكراً وإرادة استثنائية جعلتها تدرك أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالصبر والتضحية. ومن هذا الوعي، جاء انتماؤها إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني بوصفه موقفاً نضالياً وانحيازاً لقضية شعبٍ يسعى إلى الدفاع عن وجوده وحقوقه وكرامته.
آمنت ليلى قاسم بأن المرأة الكوردية ليست تابعاً هامشياً، بل شريكاً أساسياً في معركة التحرر والبناء. لذلك كسرت القيود الاجتماعية والسياسية، وفرضت حضورها بثقافتها وشجاعتها ووعيها الثوري. وبعد إكمالها الدراسة الإعدادية، التحقت بكلية الآداب في جامعة بغداد، قسم الاجتماع، عام 1971، لتتحول الجامعة إلى ساحة نشاط فكري وسياسي، كانت فيه من أبرز الأصوات الطلابية المدافعة عن حقوق شعبها، خصوصاً بعد اتفاقية آذار، حين واصلت نشاطها السري ضمن تنظيمات الحزب في بغداد متحديةً أجهزة القمع والملاحقة.
كانت ليلى تدرك أن الطريق الذي اختارته محفوف بالمخاطر، لكنها آمنت بأن الشعوب لا تبني مستقبلها إلا بالتضحيات الكبرى. وحين اعتقلها النظام الدكتاتوري في التاسع والعشرين من نيسان عام 1974 مع رفاقها المناضلين جواد مراد، آزاد ميران، نريمان فؤاد، وحسن حمه رشيد، واجهت السجن والتعذيب بثبات نادر. حاول جلادوها كسر إرادتها، لكنها حولت التحقيق إلى مواجهة مباشرة مع الاستبداد، مؤكدة أن الإيمان بالقضية أقوى من الخوف والمشانق.
وفي واحد من أكثر المواقف رسوخاً في الذاكرة الكوردية، وقفت ليلى قاسم شامخة أمام الطاغية صدام حسين، رافضةً طلب العفو أو التراجع عن مبادئها وقوميتها، لتقول كلماتها الخالدة:
“من أنت لكي أتنازل عن مبدئي وقوميتي لأجلك؟ اتعرف من انا… أنا ليلى قاسم ابنة البارزاني”.
بهذا الموقف، لم تواجه ليلى جلادها وحده، بل واجهت منظومة القمع بأكملها، وأعلنت انتصار الكرامة على الخوف، والحق على الاستبداد.
استمدت الشهيدة ورفاقها روح الصمود من التاريخ النضالي لشعب كوردستان، ومن مدرسة الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني، الذي رسخ معاني التضحية والثبات في وجدان الأجيال. وفي الوقت الذي كان فيه النظام البعثي يشن حملاته العسكرية والسياسية ضد أبناء كوردستان، كانت ليلى قاسم تمثل صورة المرأة الكوردية المقاومة، المؤمنة بأن الشعوب التي تدافع عن كرامتها لا يمكن أن تُهزم مهما اشتد الظلم.
وفي الثاني عشر من أيار عام 1974، أصدرت محكمة صورية تابعة للنظام البعثي حكماً بالإعدام بحق الشهيدة ورفاقها بتهمة الانتماء إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني وتنظيم خلية سرية في بغداد. وباستشهادها، دخلت ليلى قاسم التاريخ بوصفها واحدة من أبرز الرموز النسوية والوطنية في العراق الحديث، وأصبح اسمها مرادفاً للتضحية من أجل الهوية والحرية.
لكن الذين رفعوا جسدها إلى حبل المشنقة لم يدركوا أنهم كانوا يصنعون رمزاً لا يموت. فقد تحولت ليلى قاسم بعد استشهادها إلى ضمير حيّ لكوردستان، وإلى راية للحرية في ذاكرة الأجيال. وحتى في لحظاتها الأخيرة، أوصت بارتداء الزي الكوردي قبل تنفيذ حكم الإعدام، في رسالة تؤكد أن الهوية ليست ثوباً يُخلع تحت التهديد، بل إيمانٌ يُحمل حتى النهاية.
دُفن جسدها في مقبرة وادي السلام في محافظة النجف الاشرف بعيداً عن خانقين وذكريات طفولتها، لكن روحها بقيت حاضرة في وجدان شعبها، وفي ذاكرة كل من يؤمن بالحرية والكرامة. ولم يكن غريباً أن يتحول اسمها إلى رمز خالد، وأن تطلقه آلاف العائلات الكوردية على بناتها تخليداً لبطولتها.
وإذا كانت ليلى قاسم قد ارتقت شهيدةً في ريعان شبابها، فإن رسالتها بقيت حية في الوعي الكوردي، ومصدر إلهام متجدد للمرأة في مختلف ميادين الحياة. فالمرأة التي تشارك اليوم في العمل السياسي والثقافي والاجتماعي تستمد جزءاً من قوتها المعنوية من تلك النماذج المضيئة التي أثبتت أن المرأة قادرة على أن تكون صانعةً للتاريخ وشريكاً حقيقياً في بناء مستقبل شعبها.
واليوم، وبعد مرور اثنين وخمسين عاماً على استشهادها، لا تزال ليلى قاسم أكبر من الموت، وأبقى من الطغاة. إنها ليست مجرد ذكرى، بل رسالة متجددة تؤكد أن كوردستان أنجبت نساءً ورجالاً كتبوا تاريخ الحرية بدمائهم وتضحياتهم. فالأمم التي تنجب شخصيات مثل ليلى قاسم لا تنكسر، لأن الشهادة فيها تتحول إلى وعيٍ وهويةٍ ومستقبل.
المجد والخلود للشهيدة البطلة ليلى قاسم حسن ورفاقها، ولكل شهداء كوردستان والعراق الذين عبدوا بدمائهم طريق الحرية والكرامة، ولتبقَ أرواحهم مناراتٍ تهدي الأجيال نحو مستقبل يليق بتضحياتهم العظيمة.