عزيز ملا هذال
ان تقديم الحاجات المادية للطفل ما هو إلا رعاية لهوليس له علاقة بالتربية مطلقا. الطفل لا ينمو بالخبزوحده، بل بالكلمة الطيبة والبيئة المحفزة. ان الحرمانالبيئي يؤدي إلى تعطل نضج الوظائف النفسيةوالعقلية، لذا على الوالدين تقديم الحضور النوعيالمتمثل بالحوار والعناق لترميم الفجوات العاطفيةوضمان بناء شخصية سليمة…
من الأخطاء السائدة في التربية ان اهم ما يحتاجهالأطفال من ابويهم هو الطعام والشراب والملبسوالدواء وغير ذلك من الحاجات الأساسية المادية، غيران هذا الاعتقاد دحضته نظريات التربية الحديثةلكونه لا ينسجم مع محدداتها مستندة الى النتائجالتي تترتب على اهمال الجوانب الأخرى في التربيةومنها ايصاله ببيئته الاجتماعية وهو ما يعرف علمياًبالحرمان البيئي للطفل، فماهو الحرمان البيئي؟،وماهي تداعياته على مستقبل الأطفال؟، وما الذييجب فعله في سبيل ابعاد خطره؟
ما هو الحرمان البيئي؟
يعرف الحرمان البيئي على انه “حالة من العوز أوالنقص في المثيرات الخارجية (البيئية) التي ينبغيأن يتفاعل معها الطفل في مراحل نموه الحرجة، ممايؤدي إلى تعطل أو تأخر في نضج الوظائفالنفسية، والعقلية، والاجتماعية“.
ويعد الطبيب النفسي البريطاني (جون بولبي) هوالذي صدر هذا المصطلح الى عالم الأبحاثوالدراسات العلمية من خلال نظرية التعلق فيالأربعينيات والخمسينيات، حيث أجرى دراساتلصالح منظمة الصحة العالمية حول الأطفالالمشردين بعد الحرب العالمية الثانية، لاحظ عبر هذهالدراسات أن الأطفال الذين توفرت لهم احتياجاتهمالمادية (طعام ومأوى) ولكنهم حرموا من التفاعلالعاطفي والبيئي المستمر مع شخصية رعاية، عانوامن تأخر عقلي ونفسي حاد.
إشارة:
من الأهمية بمكان ان نبين للمربين والوالدين انتقديم الحاجات المادية للطفل بكل صنوفها ما هو الارعاية له وليس له علاقة بالتربية مطلقاً، اذ ان التربيةتتضمن الاهتمام بالجوانب النفسية والروحيةللإنسان والتي تضمن نموه النفسي والاجتماعيبطريقة سليمة التي يفتقدها الكثير من الأطفال ممايظهر خللاً تربوياً في سلوكياتهم.
ماهي انعكاسات الحرمان البيئي على الطفل؟
تظهر اثار الحرمان البيئي للطفل في عدة جوانبنفسية واجتماعية أهمها:
من أكثر الاثار وضوحاً هو إصابة الطفل المحروماضطراب الارتباط العاطفي، حيث ان الطفل ابنالبيئة المحرومة في الغالب يفتقر إلى الاستجابةالحساسة من المربين وهو ما يجعله يشعر بعدمالأمان مما قد يجعله يجد الطفل صعوبة في الثقةبالآخرين أو تكوين علاقات مستقرة مستقبلاً.
وعلى مستوى الجانب المعرفي واللغوي يظهر الطفلالمحروم تأخر في النمو في هذه الجوانب، حيث يتفقالجميع ان اللغة هي ابنة البيئة وحين يكون الطفلغير متفاعل مع البيئة فأن ذلك يقل الرصيد اللغويللطفل، وبالتالي تضعف قدرته على التعبير اللغوي،فالأبحاث تشير إلى أن الأطفال في البيئات المحرومةيتعرضون لعدد كلمات أقل بملايين المرات مقارنةبنظرائهم في البيئات الغنية بالمثيرات.
وتعد العزلة الاجتماعية اثراً من اثار الحرمان البيئيللطفل، اذ غالباً ما يترافق مع انغلاق الأسرة أومحدودية تجاربها انعزال الطفل في صومعته، ممايحرم الطفل من تعلم مهارات التفاوض الاجتماعي،والذكاء العاطفي، وفهم أدوار الاجتماعية وهو مايجعل الطفل قاصراً عن معالجة بعض المشكلات اوالمتطلبات الاجتماعية حتى البسيطة منها.
ويؤدي الحرمان البيئي الى إعادة إنتاج الفقرالثقافي، حيث يميل الأطفال المحرومون بيئياً إلىتبني أنماط سلوكية محدودة الأفق، مما يؤدي إلىاستمرار حلقة الحرمان عبر الأجيال ما لم يحدثتدخل خارجي مؤسساتي أو تعليمي لإنهاء هذاالإنتاج السلبي.
كيف نواجه هذا الخطر؟
لمواجهة آثار الحرمان البيئي، يجب ان العمل علىالإثراء البيئي لتحويل محيطه إلى اشبه بالمختبردائم الذي يمكن الوالدين من ملاحظة وقياس سلوكأبنائهم وبالتالي تعديل الغير سليم منها وتعزيزالسليم ودعمه لضمان البناء العلمي الواقعيلشخصيته ليتمكن من مجاراة تفاصيل الحياة التيستواجه مستقبلاً.
ومن الأهمية بمكان ان يتجه الوالدان صوب التربيةبالحب ان قل الحضور، فاذا كان تواجد الوالدينقليل في المنزل عليهم تقديم الحضور النوعي الذييتمثل بالتواصل البصري والعناق، والحوار وهو مايشعره بأنه محور الاهتمام، وهذا النوع من الإشباعالعاطفي يرمم الكثير من الفجوات التي خلفهاالحرمان.
في النهاية نقول: يجب أن يتذكر المربين أن الطفل لاينمو بالخبز وحده، بل بالكلمة الطيبة، واللمسةالحانية، والبيئة المحفزة التي تفتح له أبواب العالموتهيئه لإدوار المستقبل الأكثر صعوبة ربما.