البارزاني وميزان القوة في بغداد

عكید كاكل ئاغا

هل يمكن تشكيل الحكومة العراقية من دون موافقته؟

في كل مرة تدخل فيها العملية السياسية في العراق مرحلة تشكيل حكومة جديدة، يعود اسم الزعيم الكوردي مسعود بارزاني ليحتل موقعاً محورياً في النقاشات السياسية داخل بغداد. فالرجل الذي يقود الحزب الديمقراطي الكوردستاني لا يمثل مجرد زعيم حزبي، بل يعد أحد أهم صناع التوازنات السياسية بين القوى العراقية منذ عام 2003.
ومع تصاعد الحراك السياسي بين بغداد وإقليم كوردستان، تكتسب زيارات القيادات الكوردية إلى العاصمة العراقية أهمية خاصة، ومنها زيارة رئيس الإقليم نێچیرڤان بارزانی التي تأتي في إطار محاولة حل الملفات العالقة بين الطرفين، وفي مقدمتها الموازنة الاتحادية، وملف النفط والغاز، ورواتب موظفي الإقليم، إضافة إلى القضايا السياسية المرتبطة بتشكيل الحكومات.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في الأوساط السياسية هو: هل يمكن فعلاً تشكيل حكومة عراقية من دون موافقة الزعيم مسعود بارزاني أو من دون مشاركة الحزب الديموقراطي الكوردستاني؟
من الناحية الدستورية البحتة، يمكن نظرياً تشكيل الحكومة من دون موافقة أي شخصية سياسية بعينها، إذ ينص الدستور العراقي على أن رئيس الجمهورية يكلّف مرشح الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان بتشكيل الحكومة. لكن الواقع السياسي العراقي لا يقوم فقط على النصوص الدستورية، بل على شبكة معقدة من التوازنات القومية والمذهبية التي تشكلت بعد عام 2003.
ضمن هذه المعادلة، يشكل الكورد أحد الأعمدة الثلاثة للنظام السياسي إلى جانب العرب الشيعة والعرب السنة. وفي داخل البيت الكوردي نفسه، يحتل الحزب الديمقراطي الكوردستاني موقع القوة الأكبر من حيث النفوذ السياسي وعدد المقاعد البرلمانية، الأمر الذي يمنحه قدرة واضحة على التأثير في مسار تشكيل الحكومات.
لقد أظهرت التجارب السياسية خلال العقدين الماضيين أن أي تحالف سياسي يسعى إلى تشكيل حكومة في بغداد يحتاج غالباً إلى دعم الكتل الكوردية الرئيسية لضمان الأغلبية البرلمانية والاستقرار السياسي. وفي كثير من الأحيان لعبت أصوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني دوراً حاسماً في ترجيح كفة هذا التحالف أو ذاك.
صحيح أن بعض القوى السياسية في بغداد قد تفكر بالاعتماد على قوى كوردية أخرى مثل الاتحاد الوطني الكوردستاني لتشكيل الحكومة من دون مشاركة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، إلا أن مثل هذا الخيار قد يؤدي إلى انقسام الموقف الكوردي، وهو ما قد ينعكس سلباً على العلاقة بين بغداد وأربيل، ويزيد من تعقيد الملفات العالقة بين الجانبين.
كما أن أي حكومة عراقية تتشكل من دون تفاهم مع القيادة السياسية في إقليم كوردستان قد تواجه تحديات كبيرة في إدارة ملفات حساسة، مثل تصدير النفط، وتقاسم الموارد المالية، وإدارة المناطق المتنازع عليها، وهي ملفات لطالما شكلت محور التوتر بين بغداد وأربيل.
لذلك يمكن القول إن تشكيل الحكومة العراقية من دون موافقة الزعيم مسعود بارزاني ليس مستحيلاً من الناحية النظرية، لكنه في الواقع السياسي يبقى خياراً صعباً ومحفوفاً بالمخاطر. فالتوازنات الدقيقة التي تحكم العملية السياسية في العراق تجعل من التفاهم مع القيادة الكوردية، ولا سيما مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، عاملاً مهماً لضمان استقرار أي حكومة مقبلة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل الحكومات في العراق سيظل مرتبطاً بقدرة القوى السياسية على بناء تفاهمات حقيقية بين بغداد وأربيل، لأن الاستقرار السياسي في البلاد لا يمكن تحقيقه من دون شراكة متوازنة بين مكونات الدولة الأساسية.

قد يعجبك ايضا