المناصب ليست لمن يجيد الاستعراض

عرفان الداوودي

في دول تُدار بعقل الدولة، يكون المنصب تكليفاً ومسؤولية. أمّا عندنا، فصار في كثير من الأحيان صفقة مفتوحة… عنوانها: كيف نتحوّل إلى أثرياء بأقصر الطرق؟

المشكلة ليست في أن المسؤول “لا يفهم”، بل في أنه يفهم جيداً أين يضع مصلحته. يعرف كيف يؤسس شركات باسمه أو بأسماء مقرّبين، وكيف تتكاثر العقارات والفلل والسيارات، وكيف تتحوّل الصفقات إلى ثروات. هذه “مهارات” يتقنها البعض بدقّة… لكن على حساب من؟ على حساب المواطن البسيط الذي ينتظر خدمة، ودواء، وفرصة حياة كريمة.

منذ عقود نسمع عن “بلاد الرافدين”، عن دجلة والفرات، عن أرضٍ يُفترض أنها غنية بالماء والخير. لكن الحقيقة المُرّة أن القرار المائي مرتهن، وأن منابع الفرات تأتي من خارج الحدود، وكذلك دجلة، فيما نقف نحن نتفرّج على تراجع حصتنا المائية عاماً بعد عام. فأين السدود؟ أين التخطيط طويل الأمد؟ أين إدارة هذا الملف المصيري؟

أين المستشفيات المجانية التي تحفظ كرامة الناس؟ أين تطوير البنى التحتية؟ أين الاستثمار الحقيقي في العلم والتكنولوجيا؟ أسئلة تتكرر… وإجاباتها غائبة.

المؤلم أن كثيراً ممن يتصدّرون المشهد يحرصون على المظاهر: بدلات أنيقة، ألقاب رنّانة، وجوازات دبلوماسية… لكن الدبلوماسية ليست وثيقة تُحمل، بل سلوك يُمارس. هي احترام، لغة، حضور، وفهم لمعنى تمثيل الدولة أمام العالم.

الدولة لا تُبنى بالاستعراض، ولا بالهوسات، ولا بالشعارات الفارغة من نوع “الزعيم” و“القائد” و“الهيبة” و“الشيخ الفيسبوكي”… بل تُبنى بالكفاءة. لا تُدار بالعلاقات الضيقة، بل بالمؤسسات. ولا تُحترم بالخطب، بل بالإنجاز.

قبل أن نرتدي “القاط والسترة”، علينا أن نرتدي القيم: أخلاق، ثقافة، حسّ بالمسؤولية، وإيمان حقيقي بأن المنصب لخدمة الناس، لا لاستغلالهم. عندها فقط يمكن أن نستعيد معنى الدولة… ومعنى أن يكون المسؤول خادماً للشعب، لا تاجراً بالسلطة.

قد يعجبك ايضا