محمد علي محيي الدين
وُلدت الدكتورة ابتسام مرهون حسن الصفّار في مدينة النجف سنة 1940، في بيئةٍ عُرفت منذ قرونٍ بولعها بالعلم واحتفائها بالكلمة، فشبّت في مناخٍ تُجاور فيه الثقافةُ الدينَ، ويجاور فيه التراثُ أسئلةَ الفكر. ومنذ سنواتها الأولى أخذت تميل إلى اللغة العربية وآدابها، وكأنها كانت تجد في مفرداتها وطياتها التاريخية أفقًا أرحب لفهم العالم والإنسان.
تابعت دراستها العليا في كلية الآداب، فحصلت على درجة الماجستير في اللغة العربية وآدابها عام 1966، ثم شدّت الرحال إلى القاهرة، حيث نالت درجة الدكتوراه من كلية الآداب في جامعة القاهرة سنة 1972، وكانت رسالتها الموسومة «أثر القرآن في الأدب العربي» بحثًا عميقًا في العلاقة الخصبة بين النص القرآني واللغة الأدبية، وهي علاقة ظلّت تشغلها فكريًا ونقديًا طوال مسيرتها العلمية.
عملت في ميدان التعليم الجامعي، فكان لها حضورٌ فاعل في كلية التربية بجامعة بغداد، حيث تولّت رئاسة قسم اللغة العربية، ثم شغلت المنصب نفسه في كلية التربية للبنات، وأسهمت من خلال التدريس والإشراف العلمي في إعداد أجيال من الباحثين والدارسين. ولم يكن نشاطها العلمي حبيس القاعات الجامعية، بل امتد إلى فضاءات المؤتمرات والندوات الأدبية في العالم العربي، فدعيت إلى عدد من الملتقيات الفكرية المهمة، منها ندوة القاضي عياض في جامعة مراكش سنة 1981، ومهرجان وندوة أبي حيان والفكر الأندلسي في الرباط سنة 1980، فضلاً عن مشاركاتها المتعددة في المهرجانات الأدبية التي أقيمت في بغداد.

وقد أثمرت جهودها البحثية عن نتاج علمي واسع تجاوز خمسة عشر كتابًا، تنوّعت موضوعاته بين التحقيق والدراسة النقدية والبحث في التراث الأدبي والقرآني. ومن أشهر مؤلفاتها كتاب «التعابير القرآنية والبيئة العربية» الصادر سنة 1968، وكتاب «ثقافة أبي تمام من خلال شعره» سنة 1971، إلى جانب تحقيقها لكتاب «تحفة الوزراء» للثعالبي سنة 1977، وكتاب «الأماني في الأدب الإسلامي» الصادر سنة 1991. وقد لفتت هذه الأعمال أنظار عدد من الباحثين والنقاد العرب، فكتب عنها دراسات وتقويمات علمية كل من محمد الديباجي من المغرب، وحسين نصّار من مصر، وحسين بكّار من الأردن.
وتكاد مؤلفاتها ترسم خريطة واسعة لاهتماماتها الفكرية؛ فقد تناولت في كتبها قضايا الأدب العربي القديم، والدراسات القرآنية، والتحقيق التراثي، فضلاً عن موضوعات الفكر الإسلامي والموروث الثقافي. ومن بين أعمالها: «أبو العيناء الأديب البصري الظريف»، و«الاقتباس من القرآن الكريم»، و«الفأل والطيرة والتنجيم في الفكر الإسلامي والموروث الأدبي»، و«أثر القرآن في الأدب العربي في القرن الأول الهجري»، و«آفاق الأدب في العصر الأموي»، و«جمالية التشكيل اللوني في القرآن الكريم»، و«كتاب التعازي»، و«مالك ومتمم ابنا نويرة اليربوعي»، و«معجم الدراسات القرآنية»، و«منهج الثقات في تراجم القضاة»، و«المقامة الحصيبية في المفاضلة بين الفنون وأربابها وشرحها»، و«رؤية معاصرة في التحقيق والنقد»، و«فضاءات في الأدب العربي القديم»، فضلاً عن أعمال أخرى تناولت سيرًا أدبية وشعرية، مثل كتابها عن الشاعر مرهون الصفّار.
وفي صميم رؤيتها النقدية كانت ترى أن القرآن الكريم شكّل المنبع الأول الذي نهلت منه الحركة الشعرية في صدر الإسلام، وأن أثره لم يقتصر على المعاني، بل امتد إلى اللغة والأساليب والتراكيب، حتى غدا بدايةً لكثير من ميادين المعرفة في الفكر الإسلامي. وكانت تردد القول المأثور الذي يلخص فلسفة التوازن في الحياة: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً».
وقد نشرت بحوثًا كثيرة في الصحف والمجلات العراقية، وأسهمت بدراسات علمية في المجلات المحكمة، كما عُرفت بطابعها الموسوعي في الكتابة، وبحضورها الفاعل في الوسط الثقافي من خلال مشاركاتها في الندوات والمؤتمرات. وإلى جانب ذلك أشرفت على عدد من رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه، فكان لها أثر واضح في توجيه البحث العلمي في الجامعات العراقية.
ومن مظاهر الاهتمام العلمي بنتاجها أن كلية التربية للبنات شهدت مناقشة رسالة ماجستير للطالبة وفاء صلاح مهدي بعنوان «جهود الدكتورة ابتسام مرهون الصفّار في دراسة الأدب الإسلامي والأموي»، وهي دراسة تناولت عطائها النقدي وتحليلها للتراث الأدبي في تلك العصور.
ولم تكتفِ الدكتورة ابتسام الصفّار بالبحث الأكاديمي وحده، بل كتبت سيرتها الذاتية في كتاب حمل عنوان «لو كان في العمر بقية»، وهو نص يستعيد محطات حياتها ومسيرتها الأدبية بروح تأملية تتداخل فيها الذاكرة مع الزمن. وقد رأى الدكتور مصطفى لطيف عارف في هذا الكتاب محاولة لإعادة تركيب العلاقة بين السيرة الذاتية والزمن، إذ تتقاطع فيه الذاكرة مع مفهوم الديمومة بوصفهما أداتين لفهم الزمن النفسي والفلسفي للأدب.
[4/5/2026 12:56 AM] جواد كاظم: فالديمومة تمثل التدفق المستمر للزمن، في حين تبدو الذاكرة خزانًا تحفظ فيه آثار الماضي كما تُحفظ الطبقات الجيولوجية في الأرض.
ويقوم البناء النصي في هذا العمل على تقسيم السيرة إلى ثلاثة عشر نصًا، يبدأ كل واحد منها بظرف زمان يحدد لحظة من لحظات الاسترجاع أو التأمل، مثل: قبل، للحظة، لبرهة، ثانية، الساعة، الآن، عندما، يوم، منذ، قبيل، الليلة، حين، وقت. ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيًا، بل منح النص بنية زمنية متشابكة تتجاوز التسلسل الخطي للأحداث، وتكسر العلاقة التقليدية بين السابق واللاحق، لتقدّم سيرة ذاتية تنتمي إلى الحساسية السردية المعاصرة التي تعيد ترتيب الوقائع وفق تصور جمالي يتيح للكاتب أن يعيد تنظيم زمنه الخاص داخل النص.
وهكذا تبدو سيرة الدكتورة ابتسام مرهون الصفّار رحلة علمية طويلة في خدمة اللغة العربية وتراثها، جمعت بين الدرس الأكاديمي الصارم والوعي الثقافي الواسع، وبين التحقيق التراثي والرؤية النقدية، فكانت واحدة من الأصوات العلمية التي أسهمت في إضاءة جوانب متعددة من الأدب العربي والدراسات القرآنية، وتركَت أثرًا واضحًا في الحياة الثقافية والجامعية في العراق والعالم العربي.