محمد علي محيي الدين
في مدينة الموصل، تلك الحاضرة العريقة التي اعتادت أن تُخرج من بين أزقتها علماء وأدباء ومفكرين، وُلد في الخامس والعشرين من كانون الأول عام 1945 رجل سيكرّس عمره للتاريخ، لا باعتباره مادة جامدة تُروى، بل باعتباره ذاكرة حيّة تحفظ سيرة الأوطان وتكشف مساراتها. ذلك هو الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل أحمد العلاف، الذي نشأ في محلة رأس الكور، إحدى محلات الموصل القديمة، حيث تشكلت ملامح طفولته الأولى في بيئة تقليدية احتفظت بروح المدينة وذاكرتها.
دخل الكتّاب في صباه، فحفظ شيئًا من القرآن الكريم وتشرّب أجواء التعليم التقليدي، قبل أن ينتقل إلى مدارس الموصل النظامية ليكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية. ولم تمض سنوات طويلة حتى كان الشغف بالمعرفة قد دفعه إلى الرحيل نحو العاصمة بغداد عام 1964، حيث التحق بكلية التربية في جامعة بغداد، ليدخل عالم الدراسات التاريخية التي ستصبح لاحقًا ميدان حياته كله.

واصل العلاف دراسته العليا في كلية الآداب بالجامعة نفسها، فأنجز رسالة الماجستير عام 1975، واختار لها موضوعًا يكشف مبكرًا عن ميله إلى دراسة تاريخ مدينته ومحيطها، فجاءت بعنوان «ولاية الموصل: دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922»، وهي دراسة سلطت الضوء على مرحلة دقيقة من تاريخ المدينة في أواخر العهد العثماني وبدايات التحولات السياسية في المنطقة. ثم عاد إلى الموصل ليكمل مسيرته العلمية، فنال شهادة الدكتوراه من جامعة الموصل عام 1980 عن أطروحته الموسومة «تطور السياسة التعليمية في العراق 1914-1932»، وهي دراسة عالجت جذور النظام التعليمي العراقي في مرحلة تشكل الدولة الحديثة.
وفي الخامس عشر من أيلول عام 1975 بدأ مسيرته الأكاديمية مدرسًا في كلية الآداب بجامعة الموصل، وهناك انخرط في التدريس والبحث العلمي، وأسهم في بناء جيل من الباحثين والمؤرخين. تولى منصب مقرر قسم التاريخ لسنوات عدة، قبل أن ينتقل إلى كلية التربية في الجامعة نفسها ليتولى رئاسة قسم التاريخ بين عامي 1980 و1995. وخلال تلك السنوات رسخ حضوره العلمي والإداري، حتى نال لقب الأستاذية في السابع عشر من تشرين الأول عام 1991.
لم تقتصر جهوده على التدريس الجامعي، بل كان من بين الذين أسهموا في تأسيس مركز الدراسات الإقليمية في جامعة الموصل عام 1985، وهو المركز الذي عُني بدراسة الشؤون الإقليمية ولاسيما التركية منها، وقد تولى إدارته لاحقًا. ومن خلال هذا الموقع الأكاديمي، إضافة إلى عمله التدريسي، أشرف على أكثر من ثلاثين رسالة ماجستير وأطروحة دكتوراه، وشارك في مناقشة مئات الرسائل العلمية في أقسام التاريخ بمختلف الجامعات العراقية، مسهمًا في تشكيل مدرسة بحثية تهتم بتاريخ العراق والمنطقة.
لم يكن العلاف مؤرخًا جامعيًا منعزلًا بين الكتب فحسب، بل كان حاضرًا في الحياة الثقافية والفكرية. فقد شارك في العديد من الندوات والمنتديات الأدبية، وحضر مؤتمرات علمية محلية ودولية، وكان له نشاط واسع في ميادين المعرفة المختلفة، ما جعل اسمه حاضرًا في الوسط الأكاديمي والثقافي على حد سواء.
وقد أثمرت هذه المسيرة الطويلة عشرات المؤلفات ومئات الدراسات والمقالات. فقد طبع له ما يقارب أربعين كتابًا تناولت موضوعات متعددة في التاريخ العربي والعراقي، فضلاً عن مقالاته وبحوثه التي نشرت في المجلات العلمية والصحف الثقافية. ومن بين أبرز مؤلفاته كتبٌ أصبحت مراجع مهمة في مجالاتها، منها: تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني، ونشأة الصحافة العربية في الموصل، وتطور التعليم الوطني في العراق، وتاريخ العراق المعاصر، وتاريخ الفكر القومي العربي، فضلاً عن دراساته المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط مثل مشكلة المياه والموارد المائية في الشرق الأوسط وخارطة التوجهات الإسلامية في تركيا المعاصرة.
كما أسهم في إعداد كتاب المفصل في تاريخ العراق المعاصر بالاشتراك مع عدد من الباحثين، ودوّن تجربة أكاديمية مهمة في كتابه خمسون عامًا من تاريخ جامعة الموصل 1967–2017، وهو عمل يوثق مسيرة واحدة من أهم الجامعات العراقية. وفي السنوات الأخيرة اتجه إلى كتابة سير أعلام المدن العراقية، فصدر له كتاب مؤرخو المدن العراقية عام 2020، إلى جانب نشاطه الواسع في تدوين سير الشخصيات الأدبية والعلمية في مدونته الإلكترونية التي ضمت مئات الأسماء من أعلام الأدب والثقافة.
لقد حاز الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف تقدير المؤسسات العلمية والثقافية، فنال عام 1986 وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب، تقديرًا لجهوده في خدمة التاريخ العربي والإنساني. كما حصل على عدد من الجوائز وشهادات التقدير من جهات علمية وثقافية مختلفة، وكان من بينها تكريم الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب له ضمن العلماء الأعلام في الأول من كانون الثاني عام 2007، تقديرًا لدوره في خدمة الثقافة العربية وحركة البحث العلمي.
وهكذا تبدو سيرة إبراهيم العلاف أقرب إلى رحلة طويلة في دروب التاريخ، رحلة لم يكتف فيها بتسجيل الوقائع، بل سعى إلى إحياء ذاكرة المدن والناس، مستخرجًا من أرشيف الماضي ما يعين على فهم الحاضر. وبفضل هذا الجهد المتواصل ظل اسمه واحدًا من أبرز المؤرخين العراقيين الذين جعلوا من البحث التاريخي رسالة حياة، ومن الكتابة عن الوطن عملاً يوازي حفظ ذاكرته للأجيال.