محمد علي محيي الدين
وُلد العلّامة الفقيه والقاضي الكردي أحمد فائز البرزنجي في بيئةٍ يتوارث فيها العلم كما تُورَّث القيم، في قرية كلزرده القريبة من السليمانية سنة 1258هـ/1842م، من أسرةٍ عُرفت بالفضل والسيادة، تنتمي إلى سادات البرزنجية، وتتشابك جذورها مع بيوت العلم والدين. كان سبطًا للعالم معروف النودهي، ونشأ في كنف والده الذي كان من أهل العلم، فكانت بداياته مبكرة، إذ أخذ مبادئ الدين وهو في السادسة من عمره، كأنما كان العلم قدرًا يلاحقه لا اختيارًا يطلبه.
غادر قريته صغيرًا، وفي قلبه شغفٌ لا يهدأ، قاصدًا السليمانية، حيث انفتحت أمامه أبواب اللغة العربية وآدابها على يد العالم محمد غالب، ثم تدرّج في مدارج المعرفة، فنهل من علوم الكلام والعروض عند الأديب مصطفى البرزنجي، وتلقّى الحكمة من خلال شرح الهداية على يد الملا أحمد النودشي، قبل أن يغوص في أسرار البيان والمعاني عند الملا أحمد البير حسني. ولم تكتمل رحلته العلمية إلا حين جلس بين يدي خاله، العلامة كاك أحمد الشيخ، فدرس أصول الفقه والحديث وتفسير البيضاوي، حتى نال منه الإجازة، وأضحى عالمًا متبحرًا جمع بين علوم النقل والعقل، وأدرك من الأدب حظًا وافرًا.
لم يكن علمه حبيس الأوراق أو حلقات الدرس، بل سرعان ما تحوّل إلى فعلٍ في الواقع؛ فعُيّن مدرسًا سنة 1861، ثم انتقل إلى ميدان القضاء، حيث اختُبر ميزانه في الحكم بين الناس. تنقّل بين مدنٍ شتى، فكان قاضيًا في مركة، ثم في كويسنجق سنة 1875، حيث أمضى أكثر من عامين يقيم العدل بين الناس، قبل أن تتتابع تنقلاته إلى قره داغ، ثم إلى الكوت والناصرية ضمن ولايتي بغداد والبصرة، ليحمل معه في كل موضع سمعة القاضي النزيه الذي لا تميل به الأهواء.
امتدت رحلته خارج حدود العراق إلى مدن الدولة العثمانية، فانتقل إلى درسيم وأورفة، ثم شدّ الرحال إلى الآستانة سنة 1890، حيث مكث ثلاث سنوات، تفتحت له فيها آفاق أوسع، قبل أن يُعيَّن قاضيًا لولاية قسطموني سنة 1893، ثم قاضيًا لمدينة الموصل سنة 1895، وهناك أمضى سنواتٍ مثمرة، ترك خلالها أثره العلمي، وألّف كتابه المعروف كنز اللسن، الذي يعكس سعة اطلاعه وتمكنه من اللغة.
عاد بعد ذلك إلى الآستانة، ليشغل منصبًا رفيعًا عضوًا في مجلس المعارف العثماني الأعلى، وهو موقع يدل على ما بلغه من منزلة علمية وإدارية، حتى أُحيل إلى التقاعد بعد أن جاوز الثالثة والستين، وقد استنفد عمره في خدمة العلم والقضاء، دون أن ينفصل أحدهما عن الآخر في سيرته.
ظل مقيمًا في الآستانة، تلك المدينة التي احتضنت أواخر أيامه، حتى وافته المنية سنة 1918، عن عمرٍ ناهز السادسة والسبعين، بعد حياةٍ امتدت بين القرى والمدن، وبين الدرس والمنبر، وبين الحكم والتأليف، حياةٌ تختصر صورة العالم في زمنٍ كان العلم فيه مسؤولية، والقضاء رسالة، والتنقل بين الأمصار سبيلًا لترسيخ العدل ونشر المعرفة.
وخلف البرزنجي آثارًا علمية تشهد له، من أبرزها كنز اللسن المكنوز، وأبهى القلائد في تلخيص أنفس الفوائد، وهما شاهدان على عقلٍ لم يكتفِ بما تلقّى، بل سعى إلى أن يضيف، وأن يترك للزمن ما يدل عليه، كما تدل السيرة على صاحبها.