العطاء الواعي.. حبٌ يصون الكرامة

تزرين يعقوب سولا

قالت الأم تيريزا (أم الفقراء): ((ليس المهم كم نعطي، بل كم من الحب نضع في العطاء)). هذه العبارة لا تُلخّص معنى العطاء فحسب، بل تضعنا أمام مسؤولية أخلاقية، فالعطاء ليس فقط مالاً يقدم، بل حب يعطى وأن يكون عطاؤنا واعيًا، لا عاطفيًا فقط، وبنّاءً لا عشوائيًا.

وفي سياق حياتنا اليومية، تظهر ممارسات تُفرغ العطاء من معناه الحقيقي، ومن أبرزها ما نشهده أحيانًا في ظاهرة بعض عمال النظافة من جنسيات مختلفة، الذين يتحول عملهم — في بعض الحالات — إلى نوع من الاستجداء غير المباشر. فبدل أن يُنجز العامل مهمته بإخلاص، يكتفي أحيانًا بالتحية أو الإيماءة منتظرًا مقابلًا ماليًا، وكأن أداء العمل أصبح مشروطًا بالعطاء الفردي لا بالواجب المهني.

هذه الممارسة تخلق خللًا مزدوجًا: فمن جهة، تُضعف قيمة العمل ذاته، ومن جهة أخرى، تُشوّه مفهوم العطاء. فالعطاء هنا لا يعود دعمًا حقيقيًا، بل يتحول إلى تشجيع لسلوك غير منتج، قائم على التلميح والانتظار بدل الجهد والاستحقاق. ويقول ابن خلدون في ذلك ((أن الإنسان إذا اعتاد الكسب دون عمل، ضعفت همته وفقد دافعيته، وهو ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج وفساد العمران)).

إن دفع المال في مثل هذه الحالات لا يُعد عطاءً حقيقيًا، بل قد يكون نوعًا من التواطؤ غير المقصود مع سلوك يُضعف قيمة العمل ويُهدر الكرامة. فالعامل الذي يُكافأ دون أداء، يفقد تدريجيًا إحساسه بجدوى الجهد، ويتحول العمل لديه إلى مجرد وسيلة شكلية لطلب المال.

إن العطاء المسؤول لا يعني القسوة، بل الحكمة. أن تُميّز بين من يحتاج دعمًا حقيقيًا، ومن يمارس سلوكًا اعتاد عليه لأنه يجد من يُغذّيه. فليس كل من طلب يُعطى، وليس كل من أُعطي استحق.

في النهاية، العطاء ليس فعلًا تلقائيًا، بل موقف أخلاقي يتطلب وعيًا. فإما أن يكون بذرة تُنبت كرامة وعملًا، أو عادة تُكرّس الاتكالية. وبين الخيارين، تتحدد قيمة الإنسان… وقيمة عطائه.

قد يعجبك ايضا