أحلام منصور.. سيرة وجعٍ يُضيء الذاكرة الكوردية

محمد علي محيي الدين

تنهض سيرة أحلام منصور من تخوم مدينة خانقين كما تنهض الأغنية من جرحٍ قديم، حاملةً في صوتها صدى الأرض وارتجاف التاريخ، لتغدو واحدة من أبرز الأصوات السردية النسائية التي أسهمت في إغناء الأدب الكوردي والعراقي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. لم تكن كتابتها ترفًا إبداعيًا، بل كانت ضرورة وجودية، وصيحة احتجاج في وجه واقعٍ مثقلٍ بالقهر، وبحثًا عن أفقٍ أكثر عدالة للمرأة التي وجدت نفسها أسيرة تقاليد قاسية وأنظمة سياسية لا ترحم.

وُلدت عام 1951 في خانقين، تلك المدينة التي لم تكن مجرد مكانٍ عابر في حياتها، بل كانت منبعًا أول لتشكّل وعيها وملامح رؤيتها. من أزقتها تشربت الحكايات، ومن تنوعها الاجتماعي والسياسي استلهمت شخصياتها، ومن صراعاتها استمدت حرارة النص وصدقه. لذلك لم يكن غريبًا أن يفيض أدبها بصور المعاناة الكوردية، ولا سيما ما تعرض له الكورد الفيليون من إقصاءٍ وتهجيرٍ قسري، في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ العراق الحديث.

كانت أحلام منصور ترى في الكتابة وسيلة مقاومة، فاختارت القصة والرواية لتكونا مرآتين تعكسان واقع المرأة الكوردية، بكل ما فيه من انكسارات وأحلام مؤجلة. لم تكتفِ بوصف الألم، بل سعت إلى تفكيكه، وإلى كشف جذوره الاجتماعية والسياسية، محاولةً أن تمنح المرأة صوتًا ظل طويلًا مكبوتًا. وفي نصوصها، لا تظهر المرأة كضحية فحسب، بل ككائنٍ قادر على التمرد، وعلى إعادة تشكيل مصيره رغم القيود الثقيلة.

في عام 1974، تخرجت من القسم الكوردي في كلية الآداب بجامعة بغداد، لتبدأ مسيرتها الأدبية بخطوات واثقة، جمعت فيها بين الحس الإبداعي والرؤية الأكاديمية. أصدرت مجموعتها القصصية الأولى (الجسر) عام 1981، وهو عنوان لم يكن بريئًا، بل كان تعبيرًا عن رغبتها في مدّ جسور بين الألم والأمل، بين الواقع والحلم. ثم واصلت عطائها بإصدار رواية (الوند) عام 2004، فضلًا عن كتابتها للقصة القصيرة باللغتين الكوردية والعربية، في محاولة لتوسيع دائرة التأثير والوصول إلى جمهور أوسع.

كما نالت شهادة الماجستير من كلية التربية بجامعة بغداد، وكانت أطروحتها الموسومة (البناء الفني في القصة القصيرة الكوردية) دليلًا على عمق اهتمامها بالبنية السردية، وحرصها على الجمع بين الإبداع والتنظير، وهو ما انعكس بوضوح في أعمالها التي اتسمت بوعي فني واضح، ولغة مشحونة بالدلالة.

في روايتها (آمه رش)، قدمت صورة مكثفة عن المرأة الكوردية وهي تصارع القهر والتهميش، راسمةً ملامح حلمٍ لا يخبو رغم العتمة. أما في مجموعتها (برد)، فقد التقطت تفاصيل الحياة اليومية للنساء اللواتي واجهن القمع بصمتٍ صلب، كاشفةً عن طاقات خفية في أعماقهن، ومؤكدة أن التغيير يبدأ من الإيمان بالذات. لقد كانت شخصياتها امتدادًا للواقع، لكنها كانت أيضًا نداءً لتغييره.

لم تنحصر جهودها في الكتابة الأدبية، بل امتدت إلى العمل الثقافي والصحفي، حيث شاركت بفاعلية في النشاطات الثقافية والحركات النسوية التي سعت إلى تحرير المرأة من القيود التي فرضتها الرؤية الذكورية. وكانت من أوائل الفتيات الكورديات في خانقين اللواتي اقتحمن المعترك الثقافي، حين انضمت إلى جمعية المنتدى الثقافي عام 1972، إلى جانب نخبة من الأدباء والمثقفين، فأسهمت في خلق حراك ثقافي كان له أثره في الوعي الجمعي.

وفي بغداد، خلال انتمائها إلى دار الثقافة والنشر الكوردية، كرّست جهدها لخدمة الأدب الكوردي، فكتبت البحوث والدراسات، وأسهمت في تطوير الخطاب النقدي والفني. وبعد انتفاضة عام 1991، عادت إلى كوردستان لتواصل دورها التنويري، فعملت محاضرة في جامعة السليمانية، كما ألقت محاضرات في جامعة كويه، لتسهم في إعداد جيلٍ جديد يحمل همّ الثقافة والمعرفة.

لقد ظلت قضية المرأة المحور الأساس في نتاجها، حتى غدت نصوصها أشبه بسيرة جماعية لنساءٍ عشن في الظل، لكنها أخرجتهن إلى الضوء. كانت المرأة في كتاباتها حاضرةً بكل تناقضاتها: ضعيفة وقوية، منكسرة ومتمردة، لكنها في النهاية كائنٌ يسعى إلى الحياة بكرامة.

وفي العاشر من كانون الثاني عام 2013، رحلت أحلام منصور في مدينة السليمانية بعد صراعٍ طويل مع المرض، لتُطوى صفحة من صفحات الإبداع الملتزم، ويُعاد جثمانها إلى خانقين، المدينة التي منها بدأت الحكاية، وفي ترابها انتهت، كأنها تعود إلى أصلها الأول، بعد أن تركت في الذاكرة أثرًا لا يُمحى.

لقد كانت أحلام منصور أكثر من قاصة وروائية؛ كانت صوتًا لمرحلة، وضميرًا لجماعة، وامرأةً حملت همّ شعبها وقضية جنسها في آنٍ واحد. وفي كل ما كتبت، كانت هناك محاولة صادقة لإعادة الإنسان إلى مركز الحكاية، ولجعل الأدب فعل مقاومة لا يقل شأنًا عن أي نضال آخر.

قد يعجبك ايضا