ذياب مهدي ال غلام
استهلال
بين أروقة التراث ووهج الحداثة يقف قلمٌ لا يشيخ وعقلٌ يأبى الركود هنا في رحاب محمد علي محيي الدين “أبي زاهد” نستعيد وجه المثقف الذي لم ينفصل يوماً عن طين الأرض وهموم البشر هي محاولة لرد الدين لقامةٍ موسوعية أثرت المكتبة العربية بفيضٍ من النور والمعرفة…..
ليس من السهل الكتابة عن شخصية تختزل في ثناياها عبق التراث النجفي وصخب الحداثة الفكرية وعمق الالتزام الإنساني كأبي زاهد؛؛ إن الحديث عن محمد علي محيي الدين ليس سرداً لسيرة ذاتية بقدر ما هو تتبع لمسار مثقف عضوي استطاع أن يحول الكلمة إلى جسر يربط بين التاريخ الفولكلوري والواقع السياسي وبين النقد الأدبي والهمّ الاجتماعي؛؛ من يأتي لكتب عنه وليفكك شيفرة هذا “العطاء الموسوعي” محاولاً الإجابة على التساؤل الجوهري: كيف استطاع أبو زاهد أن يكون حارساً للذاكرة ومنظراً للتغيير في آن واحد؟ سأمضي هنا في رحلة لاستكشاف مرتكزاته الفكرية وبنيته الأسلوبية التي تمتاز بالاقتصاد اللغوي والموسوعية المعرفية لتسلط الضوء على تلك الشجاعة التي جعلت من قلم محمد علي محيي الدين صوتاً لمن لا صوت لهم ومادةً دسمة تستحق أن يتوقف عندها الباحثون طويلاً بالدراسة والتحليل…. والآن ابدأ بما احب الكتابة المعرفية لتسلط الضوء على الجوانب التالية:
1- الجانب التراثي/التاريخي: وكيف يتعامل مع الوثيقة أو الحادثة التاريخية؟ ويعيد قراءتها برؤية عصرية؟
2- الجانب الأدبي/النقدي: كيف يحلل النص؟ ويغوص في ما وراء الكلمات (المسكوت عنه)؟
3- الجانب السوسيولوجي (الاجتماعي): كيف يربط بين الأدب وحركة المجتمع والناس….
المحور التراثي والتاريخي: “أركيولوجيا الوثيقة وإعادة إنتاج المعنى”
يتميز المنهج التاريخي عند الأستاذ محمد علي محيي الدين بكونه منهجاً “تفكيكياً” بامتياز فهو لا يكتفي بنقل الرواية التاريخية بل يعيد بناءها وفق رؤية عصرية تتسم بالآتي:
1. أنسنة التاريخ (نزع القداسة عن الرواية):
يتعامل مع الحادثة التاريخية بوصفها “فعلاً بشرياً” خاضعاً للظروف السياسية والاجتماعية لزمانه هو لا يقرأ التاريخ بوصفه قدراً محتوماً بل يفكك انحيازات الرواة والمدونين باحثاً عن “الحقيقة الضائعة” بين سطور السلطة والولاءات مما يجعل قراءته للتراث قراءة تحررية
2. الرؤية العصرية للوثيقة (المعاصرة في التراث):
لا يغرق محمد علي في الماضي من أجل الهروب من الحاضر بل يستحضر الوثيقة التاريخية ليجعلها “شاهدة” على قضايا معاصرة إنه يبحث في التاريخ عن “الجذور البنيوية” للمشكلات الحالية (سواء كانت طائفية اجتماعية، أو سياسية) وبذلك تتحول الكتابة التاريخية عنده من “سرد” إلى “نقد سياسي واجتماعي” مستتر بوشاح الزمن
3. منهج “الحفر” في الهوامش:
بينما يهتم المؤرخ التقليدي بالزعماء والحروب الكبرى يميل محمد علي إلى “تاريخ المهمشين” والقوى الشعبية والحركات الفكرية التي تم إقصاؤها من المتن الرسمي هو يعيد الاعتبار لـ “الوثيقة المنسية” والحدث الصغير الذي قد يغير مجرى فهمنا لظاهرة اجتماعية كاملة
4. النزعة العقلانية التنويرية:
يوظف أدوات العقل والمنطق في محاكمة الموروث؛ فلا يقبل الرواية لمجرد شهرتها بل يعرضها على مشرحة “النقد العلمي” هذا التوجه يجعله يفرّق بدقة بين “الدين” كقيمة عليا وبين “التاريخ الديني” كصراع بشري وهي سمة تميز الباحث الحداثي عن الحكواتي التقليدي……
المحور السوسيولوجي: “الأدب بوصفه وثيقة اجتماعية وحركية”
لا ينظر الأستاذ محمد علي محيي الدين إلى النص الأدبي ككيان معزول أو جمالية مجردة بل يتعامل معه بوصفه “إفرازاً بنيوياً” لحركة المجتمع يمكن تفكيك منهجه السوسيولوجي عبر النقاط التالية:
أنسنة النص: يبرع محمد علي في تحويل “النخبوية” إلى “شعبية” فهو لا يكتب عن الإنسان من برج عاجي بل يستنطق النص ليكون مرآة تعكس صراع الطبقات وهموم الهامش وتطلعات الكادحين. الأدب عنده هو “سجل سوسيولوجي” يعيد قراءة التاريخ المنسي للناس العاديين.
جدلية (المثقف والواقع): يرفض في طروحاته فكرة “الفن للفن” متبنياً منهجاً يربط بين جمالية التعبير وبين ضرورة التغيير الاجتماعي هو يرى أن الكلمة التي لا تخدم حركة التحرر الإنساني أو العدالة الاجتماعية هي كلمة فاقدة لشرعيتها المعرفية
تفكيك الموروث الشعبي: في اشتغالاته على الفولكلور أو الذاكرة الشعبية لا يكتفي بالرصد، بل يحلل “الرموز الاجتماعية” الكامنة خلف الأمثال والحكايات مبيناً كيف صاغ الإنسان البسيط مقاومته وقيمه من خلال اللغة والأدب الشفاهي.
خلاصة بنيوية: إن الكتابة عند محمد علي محيي الدين ليست ترفاً لغوياً، بل هي “اشتباك معرفي” مع الواقع، حيث يتحول النص في يده إلى أداة لتحليل البنى التحتية للمجتمع مما يجعل نتاجه مادة خصبة للدراسات التي تبحث في (سوسيولوجيا الأدب العراقي)…….
نَقاء المبدأ وأَريج المنجز
خِتاماً لا يمكن اختزال مسيرة الباحث والأديب محمد علي محيي الدين في صفحاتٍ أو أجزاء فهو “مؤسسة توثيقية” تمشي على قدمين وأرشيف حيٌّ لجماليات الفكر والأدب العراقي إنَّ ما حَواه هذا السفر من سيرةٍ وآثار ليس إلا تجسيداً لرحلةٍ شاقةٍ وممتعةٍ في آنٍ واحد؛ بدأت من عبق “الحلة” العريقة ومرورا في النجف الاصيلة ومرت بمحطات الفكر اليساري الصلب واستقرت في محراب التحقيق والتدوين لقد ظل “أبو زاهد” طيلة مرافقتنا له وفيّاً لخلجات وجدانه متمسكاً بطهارة قلبه وسمو مبادئه التي لم تزعزعها عواصف الأيام هو ذاك الصديق الذي يمنحك في كل لقاءٍ أثراً إيجابياً ويفتح لك ملفات قلبه قبل ملفات مكتبته فكان بحق “بوصلةً” لكل من ينشد الصدق في الكتابة والنقاء في الموقف
سيظل ذكرك يا أبا زاهد صنو روحي كشذى القرنفل يملأ فضاءاتنا أدباً وعطراً وكما قيل في حق من نذر عمره للكلمة الحرة:
مَضى وَبَقي في الأَسفارِ ذِكرُهُ .. نَقِيّاً كَالنَّدى، صَلباً كَالصَّخرِ
يُحاكي “الحِلّةَ” الفَيحاءَ طِيباً .. وَيَكتبُ لِلوَفاءِ حُروفَ فَخْرِ
طوبى لمن ترك خلفه هذا الأثر النبيل، وذكراً يفوح عطراً بصدق الموقف وشموخ المبدأ…..