د. إبراهيم أحمد سمو
في السنوات الأخيرة، برزت البرامج الحوارية المفتوحة كمساحات رحبة لتبادل الآراء ومناقشة القضايا المصيرية التي تمسّ الواقعين السياسي والاجتماعي في المنطقة. هذه البرامج، التي تتنوّع فيها المواقف بين مؤيّدٍ للواقع القائم ورافضٍ له، وبين من يرى التغيير ضرورةً تاريخيةً ومن يتمسّك بالمسار التقليدي، أصبحت مختبرًا حقيقيًا للأفكار وميدانًا لاختبار الخطاب السياسي والثقافي على حدٍّ سواء.
ومن بين تلك المنصّات، تميّز برنامج مؤسسة ميري بوصفه المنبر الأكثر ثقة لدى المثقفين قبل السياسيين. فقد تحوّلت المؤسسة إلى ساحة فكرية تستقطب مختلف الأصوات والرؤى، تجمع بين النخب السياسية والثقافية، وتمنح ضيوفها حريةً كاملةً في التعبير دون مقاطعة أو توجيه مسبق.
غير أنّ ما يلفت النظر في منتديات ميري هو أنّه، رغم تنوّع الضيوف واختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية، يبقى اسم نيجيرفان بارزاني الأكثر حضورًا وتأثيرًا في النقاشات العامة. حتى بات يُقال بين المتابعين إنّ “ميري” حين يستضيف نيجيرفان بارزاني يزداد بريقًا ومصداقيةً، مع كامل الاحترام لبقية الضيوف من أهل الفكر والثقافة. فبحضوره يكتمل المشهد، إذ يجمع بين الصراحة والهدوء، وبين الموقف الصلب والرؤية الواقعية التي تُرضي العقول قبل العواطف.
الكاريزما التي تولّد الطمأنينة
سرّ الحضور الطاغي للسيد نيجيرفان بارزاني لا يعود فقط إلى موقعه السياسي، بل إلى أسلوبه في الحوار القائم على الصدق والتوازن. فهو لا يتردد في قول ما يراه صوابًا حين يستدعي الموقف وضوحًا، ولا يمانع في ترك مساحاتٍ للتأويل حين تكون الحكمة في التلميح لا في التصريح.
هذه القدرة على الموازنة بين الجرأة والحذر تمنح محاوريه شعورًا بالراحة، وتجعل النقاشات التي يشارك فيها هادئةً وعقلانية، بعيدةً عن الانفعال أو الانحياز.
وعندما استضاف برنامج منتديات ميري رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، كان اللقاء محطةً فارقةً في تاريخ البرنامج، إذ كشف عن كثيرٍ من خفايا العمل السياسي، ولا سيّما حين تحدّث عن رغبة الولايات المتحدة في تغيير هيكلية وعمل قوات البيشمركة سابقا قبل سنوات.
فقد قدّم بارزاني خلال اللقاء مواقف جريئة وتاريخية تناولت ملفاتٍ شائكة تتعلق بالمنطقة برمتها، من مستقبل سوريا ودور قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلى مكانة عبدالله أوجلان، وصولًا إلى علاقة تلك الملفات بالوضعين التركي والعراقي.
رؤية واضحة لسوريا ومستقبل (قسد)
قدّم نيجيرفان بارزاني في مداخلاته رؤية واقعية لمستقبل سوريا، مؤكدًا أن الحلّ السياسي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة إلى دمشق ضمن صيغةٍ جديدة تضمن الاعتراف بحقوق القوميات والأقليات كافة. وشدّد على أنّ قوات (قسد) لن تستطيع البقاء في موقعها الحالي من دون تفاهمٍ استراتيجي مع الدولة السورية، لأنّ أيّ ترتيباتٍ مستقبلية خارج هذا الإطار محكومٌ عليها بالفشل. كما دعا الحكومة السورية إلى تقدير الأوضاع كما هي على أرض الواقع.
ولم يتردد في الإشارة إلى دور السيد عبدالله أوجلان في عملية السلام، مطالبًا قنديل بالالتزام بتوجيهاته، مؤكدًا أن تأثيره لا يزال قائمًا، وأنّ على قنديل أن تسلك طريق السلام الحقيقي إذا أرادت مستقبلًا آمنًا ومستقرًا.
كانت تلك الرسائل مزدوجة الدلالة: موجهة أولًا إلى الداخل الكوردي لتذكير الجميع بأنّ الانقسام لا يخدم أحدًا، وثانيًا إلى الإقليم والعالم لتأكيد أن الحوار هو السبيل الوحيد لتجنّب الأزمات وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
من الماضي إلى المستقبل: لا مكان لاقتتالٍ كوردي
من أبرز المواقف التي لاقت صدى واسعًا في حديث نيجيرفان بارزاني تأكيده القاطع رفض العودة إلى أيّ شكلٍ من أشكال الاقتتال الداخلي الكوردي، في إشارةٍ إلى العلاقة بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكوردستاني. فقد قال بوضوح إنّ تلك المرحلة طُويت إلى غير رجعة، وإنّ التجربة المريرة التي عاشها الكورد آنذاك كانت كافية لاستخلاص الدرس: لا مستقبل لأي طرفٍ في ظلّ الانقسام والصراع الداخلي.
ورأى أنّ مستقبل كوردستان لا يمكن أن يُبنى إلا على وحدة الصفّ والانفتاح على الحوار، ليس فقط بين القوى الكوردية نفسها، بل أيضًا مع الأطراف الإقليمية والدولية. فالقوّة الحقيقية — كما قال — لا تأتي من السيطرة، بل من التفاهم.
العلاقة مع بغداد: الفيدرالية ضمانة لا شعار
انتقل نيجيرفان بارزاني في الحوار إلى الحديث عن العلاقة بين أربيل وبغداد، مؤكّدًا أنّ ما يريده الكورد ليس امتيازاتٍ إضافية، بل تطبيق الدستور العراقي كما هو. فالفيدرالية، في نظره، ليست خيارًا ثانويًا أو مطلبًا حزبيًا، بل هي الضمانة الدستورية الوحيدة لبقاء العراق موحّدًا ومتوازنًا.
وحذّر من أنّ المركزية المفرطة هي التي تهدّد العراق وتعيق بناء دولةٍ حديثة قائمة على العدالة والمواطنة.
ودعا الحكومة الاتحادية إلى تبنّي مفهوم الفيدرالية بصدق، بوصفها الإطار الديمقراطي الذي يضمن توزيع السلطات والثروات بعدالة، ويتيح لكلّ مكوّن من مكونات العراق أن يشارك في صناعة القرار الوطني.
وأضاف أنّه حين يُطبّق هذا المفهوم بشكلٍ سليم، ستصبح بغداد عاصمة لجميع العراقيين، لا مركزًا للصراع، بل ملتقى للتفاهم الوطني، حيث يشعر الجميع بالانتماء والمواطنة المتساوية.
السياسة الهادئة تؤتي ثمارها: زيارة أنقرة نموذجًا
لم تتوقف أهمية تصريحات نيجيرفان بارزاني عند حدود برنامج ميري، بل امتدت إلى نشاطاته السياسية اللاحقة، وعلى رأسها زيارته الأخيرة إلى أنقرة. فقد كانت الزيارة محوريةً على أكثر من مستوى، ليس فقط بسبب الاستقبال الحارّ من الرئيس رجب طيب أردوغان، بل لما حملته من رسائل إقليمية دقيقة.
لقد أصبح واضحًا أنّ نيجيرفان بارزاني تجاوز الدور التقليدي لرئيس إقليم كوردستان، ليصبح فاعلًا محوريًا في المعادلات الإقليمية. فهو شخصية يُعوَّل عليها في فكّ الألغاز السياسية وإيجاد القواسم المشتركة بين القوى المتنافسة. لم تكن زيارته لتركيا بروتوكولية فحسب، بل جاءت في إطار رؤيةٍ شاملة لمستقبل العلاقات بين العراق وتركيا وسوريا، ولضمان أمنٍ إقليميٍّ مستقرٍّ ومتوازن.
السلام في شرقٍ أوسطٍ ملتهب
يعيش الشرق الأوسط اليوم حالة التهابٍ سياسي وأمني شديد؛ تتداخل فيه الملفات السورية والتركية والعراقية والإيرانية في شبكةٍ معقّدة من التوترات. وسط هذا المشهد المشتعل، يبرز رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني بوصفه صوتًا عقلانيًا يسعى إلى تقريب وجهات النظر.
فهو يدرك أن السلام في سوريا لن يتحقق من دون تفاهمٍ حقيقي بين (قسد) ودمشق، وأنّ تركيا لن تشعر بالأمان إلا حين تحصل على ضماناتٍ واضحة بعدم تحوّل مناطق (قسد) في سوريا إلى تهديدٍ لأمنها القومي. كما يرى أن استقرار العراق مرهون بالتخلّي عن المركزية والالتزام بالفيدرالية الحقيقية، لأنّ غياب العدالة في توزيع السلطة والثروة هو ما يغذّي الصراعات ويضعف الدولة.
ودعا الحكومة السورية إلى الاستفادة من تجربة الدستور العراقي عمليًا لا شكليًا.
بهذا الطرح الواقعي، يقدّم نيجيرفان بارزاني نفسه كوسيطٍ موثوق وصاحب رؤيةٍ قادرة على الجمع بين العقلانية السياسية والحكمة الدبلوماسية.
نتائج ملموسة: فتح الأجواء أمام السليمانية
من أبرز النتائج العملية التي أعقبت زيارة رئيس الإقليم إلى أنقرة، موافقة الحكومة التركية على فتح المجال الجوي أمام مطار السليمانية ورفع الحظر المفروض عليه. هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراءٍ فني، بل حملت دلالاتٍ سياسية عميقة، إذ عكست الثقة المتبادلة بين أنقرة وأربيل، وبين الرئيس أردوغان ونيجيرفان بارزاني شخصيًا.
فقد شكّل القرار ترجمةً ملموسة لسياسة الحوار والتفاهم التي يتبعها السيد نيجرفان بارزاني، وأثبت أنّ الدبلوماسية الهادئة يمكن أن تفتح الأبواب المغلقة وتعيد بناء جسور الثقة بين الأطراف المتباعدة.
شخصية محورية في الإقليم
في المحصلة، يمكن القول إنّ رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني أصبح أحد أبرز الشخصيات المحورية في الشرق الأوسط. فهو لا يكتفي بإدارة شؤون إقليم كوردستان، بل يلعب دورًا متزايد الأهمية في رسم التوازنات الإقليمية، من خلال سياسته القائمة على الحوار والاعتدال والمرونة.
إنّ كاريزما نيجيرفان بارزاني لا تختزل في حضوره الشخصي فحسب، بل تتجسّد في قدرته على الإصغاء، وجرأته في اتخاذ الموقف، وحرصه على إيجاد حلولٍ واقعية وسط بحرٍ من التعقيدات. لذلك أصبح موضع احترامٍ وتقديرٍ حتى من خصومه السياسيين، لأنه يتحدث بلغة العقل لا بلغة الشعارات.
الخلاصة: رجل التوازن في زمن الأزمات
في زمنٍ يعجّ بالصراعات والانقسامات، يظلّ نيجيرفان بارزاني صوت العقل ورمز التوازن. فهو لا يرفع شعاراتٍ كبيرة بقدر ما يسعى إلى صناعة واقعٍ أكثر هدوءًا وعدلًا. كاريزمته ليست طموحًا شخصيًا، بقدر ما هي إيمانٌ عميق بأنّ السياسة يمكن أن تكون جسرًا نحو السلام لا ساحةً للصراع.
إنّ حضوره في الحوارات السياسية والفكرية — من برنامج ميري إلى المحافل الإقليمية — يؤكد أن الاعتدال ليس ضعفًا، بل قوة الحكمة، وأنّ الشرق الأوسط، في بحثه عن الاستقرار، يحتاج إلى قادةٍ من طينته: قادةٍ يصغون أكثر مما يتحدثون، ويتفاهمون أكثر مما يخاصمون.