انتخابات.. مجلس شعب لجان بلا شعب

خوشناف سليمان

في بلدٍ أُقصي فيه الشعب باسم (الأمن) والديمقراطية باسم (الإيمان). لم يبقَ في المشهد سوى اللجان. تصوّت لنفسها وتصفّق لخيبتها.

تُعيد السلطة في سوريا كل بضع سنوات عرض مسرحيتها القديمة بعنوان (الانتخابات). المشهد محفوظ. والممثلون معروفون والنتائج جاهزة قبل أن تُفتح الصناديق. لا أحد يتحدث عن برامج أو تنافس أو محاسبة. فالمعركة الانتخابية هنا ليست بين المرشحين بل بين درجات الولاء.

في الدورة الأخيرة أُقصي أبناء الجنوب والشمال الشرقي السوري من المشاركة بذريعة (الظروف الأمنية) و(الاعتبارات اللوجستية)، وهي تبريرات واهية تخفي إقصاءً سياسيًا متعمّدًا يراد به الحفاظ على نقاء المشهد الانتخابي داخل مناطق الولاء المطلق للنظام. وهكذا يُختصر الوطن في رقعة أمنية لا في جغرافيا شعبية.

الانتخابات في سوريا لم تعد وسيلة لتداول السلطة بل إجراء شكلي لتجديد الطاعة. تُشرف اللجان على الترشيح وتُعدّ القوائم وتُعلن النتائج. كل ذلك دون حاجة إلى ناخبين. أما مجلس الشعب. فبقي مؤسسة صامتة تتلو ما يُملى عليها من فوق.

وفي المقابل. ترفع حكومة الجولاني في الشمال شعارًا معاكسًا في الشكل. لكنه يؤدي إلى النتيجة ذاتها.. فهي ترفض الديمقراطية من أصلها. وتعتبر الانتخابات كفرًا بالفكر الديني الذي تحتكره. وهكذا تتقاطع السلطتان البعثية والدينية. في هدف واحد.. نفي الشعب من الحياة السياسية.

النظام البعثي يرى المواطن قاصرًا يحتاج وصاية أمنية. والجولاني يراه مذنبًا يحتاج وصاية شرعية. الأول يحتكر الوطن باسم الاستقرار. والثاني يحتكر الإيمان باسم الشرع. وبينهما تُغتال فكرة الدولة المدنية التي يكون الشعب فيها مصدر السلطة.

ما يجري في سوريا اليوم ليس انتخابات بل تبادل أدوار في مسرح بلا جمهور. اللجان تُمثّل. والناس يُقصون. والديمقراطية تُختزل في صور معلّقة على الجدران. وفي شمال البلاد. يُستبدل صندوق الاقتراع بمنبر الوعظ. وكأنّ الحرية تُمنح بفتوى لا بصوت.

هكذا تكتمل دائرة العبث.
سلطة تزوّر الديمقراطية. وسلطة تُكفّرها.
وشعب يُمنع من أن يكون طرفًا في أي منهما.
وفي النهاية. يظل العنوان صالحًا لكل دورة جديدة.
لا مجلس… ولا شعب.

قد يعجبك ايضا