الحرية تبدأ من الوعي والمعرفة أول الطريق

نوري جاسم

(لا حرية دون وعي، ولا وعي دون معرفة)، عبارة ذكرت كثيرا على لسان عدة باحثين وكتاب، وهي تختزل مسارًا كاملاً في بناء الإنسان الحر، وتكشف بوضوح أن الحرية لا تُمنح بمرسوم، ولا تُختزل في رفع الشعارات، بل تُبنى من الداخل، من العقل أولًا. إننا أمام سلسلة مترابطة تبدأ بالمعرفة كأصل وجذر، يتفرع عنها الوعي كقوة داخلية تُمكّن الإنسان من إدراك ذاته ومحيطه، وتنضج منها الحرية كثمرة لا تنمو في أرض خاوية من الفهم.

هذا المفهوم لا يُعبّر فقط عن رؤية فلسفية، بل هو مفتاحٌ لفهم ما يحدث اليوم في مجتمعاتنا، وعلى وجه الخصوص في العراق، حيث تبدو الحرية في ظاهرها حاضرة، لكنها كثيرًا ما تكون معلّقة، تفتقد القاعدة التي تقوم عليها وهي (الوعي والمعرفة) والعراق بلد يملك تاريخًا حضاريًا عميقًا، وإرثًا ثقافيًا عظيمًا، لكنه على مدى عقود مرّ بمراحل صعبة تراكمت فيها الأزمات وتداخلت فيها العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حتى بات من الصعب الحديث عن حرية حقيقية دون التوقف عند مفهوم الوعي العام، وكيفية تشكّله أو تعطيله.

حين نبحث عن أسباب الانقسام، أو الاستقطاب، أو حتى القبول بالصمت أمام بعض أشكال الفساد أو الظلم، فإن الجذر الأول غالبًا ما يكون في غياب الوعي، والوعي لا يأتي إلا من المعرفة؛ من التعليم، من الثقافة، من القراءة، من الحوار، من القدرة على تحليل الواقع لا تلقيه كما هو.

ولقد عايش العراق مراحل متعددة رُفعت فيها رايات التغيير والانفتاح والحرية، لكن الواقع كثيرًا ما خذل الآمال. لماذا؟ لأن الحرية إذا لم تكن مبنية على وعي داخلي لدى الفرد والمجتمع، فإنها تبقى حرية سطحية، قابلة للتراجع أو الاستغلال أو التوظيف في غير معناها.

الحرية ليست فقط أن تقول ما تشاء، بل أن تعرف ما تقول ولماذا تقول، وأن تكون مدركًا لما وراء الكلام من واقع وتاريخ ومصالح. وهذا لا يتأتى إلا من خلال عقل يُمارس التفكير لا التلقين، ويطرح الأسئلة بدل أن يكتفي بالأجوبة الجاهزة، وفي العراق اليوم، نرى حجم التعقيد الذي يعيشه المواطن في فهم الأحداث والسياسات والخيارات المتاحة أمامه.

وفي ظل هذا المشهد، يصبح من السهل أن يتم توجيه الرأي العام أو دفعه نحو قناعات مسبقة دون أن يمرّ بعملية تفكير حقيقية. وحين يغيب التفكير، يغيب الوعي، وتتحول الحرية إلى شكل بلا مضمون. المواطن الذي يعتقد أنه يختار بحرية، قد يكون في الواقع واقعًا تحت تأثير منظومات إعلامية، أو اجتماعية، أو ثقافية، تُعيد تشكيل اختياراته دون وعي منه، وهنا تظهر خطورة “الحرية المزيفة”، التي تبدو في ظاهرها حرية، لكنها تفتقر إلى الجذر المعرفي الذي يجعلها حقيقية وعميقة.

والمعرفة هنا لا تعني التخصص الأكاديمي وحده، بل تعني تغذية العقل بسؤال دائم: لماذا؟ تعني القراءة بوصفها فعلًا واعيًا لا ترفًا، والنقاش بوصفه مساحة لتبادل الرأي لا فرض القناعات، والتعليم بوصفه بناءً للإنسان لا مجرد شهادة. الوعي الذي نحتاجه في العراق لا يولد من ردود الفعل، بل من الفهم الهادئ العميق للواقع، من التفاعل مع التجارب الإنسانية الكبرى، من الانفتاح على الفكر لا الانغلاق عليه، وإن بناء جيلٍ واعٍ، قادر على التفكير النقدي، هو شرطٌ لا غنى عنه لتحقيق حرية حقيقية.

هذا لا يحدث في يومٍ وليلة، ولا يتحقق بشعارات، بل عبر إصلاح منظومة التعليم، وتحفيز الإنتاج الثقافي، ودعم حرية البحث، وتشجيع الحوار المجتمعي. حين يشعر الشاب العراقي أن سؤاله لا يُقابل بالسخرية أو الاتهام، بل يُحتفى به كدليل على فكر حيّ، نكون قد بدأنا الطريق الصحيح. وحين تتحول المدارس والجامعات والمجالس الثقافية إلى فضاءات حوار لا تلقين، نكون قد بدأنا نبني الوعي الذي يثمر حرية. والحرية لا تُستورد، ولا تُفرض، بل تُبنى. والمعرفة ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية.

العراق، بتاريخه وطاقاته، قادر على تجاوز أزماته إذا ما تم الاستثمار في العقل، لا فقط في البنى التحتية. فالأوطان لا تنهض بالحجر قبل أن تنهض بالفكر. والتغيير الذي نطمح إليه لا يبدأ من القوانين فقط، بل من نظرة الإنسان لنفسه، لعقله، لحقه في أن يسأل، ويعرف، ويختار.

وفي النهاية، يمكننا القول إن معركتنا الكبرى ليست مع طرف سياسي أو خارجي، بل مع جهل داخلي متراكم، يُعيق الوعي ويشوّه معنى الحرية. لذلك، فإن كل كتاب يُقرأ، وكل فكرة تُناقش، وكل تساؤل يُطرح بصدق، هو خطوة نحو وطن أكثر وعيًا، وبالتالي أكثر حرية.

المعرفة ليست ترفًا، بل طريق النجاة من العبودية غير المرئية، التي تُقيّد الإنسان وهو لا يشعر، واخيرا اقول [الحرية لا تُهدى، بل تُنتَزع بالوعي، فإن كل لحظة تفكر فيها، وكل معرفة تكتسبها، هي خطوة نحو تحررك الحقيقي. فاختر أن تكون حرًا بعقلك، لا تابعًا بصمتك]

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

قد يعجبك ايضا