(لاسيّما أنا امرأة كوردية) .. نوبل النساء القادرات على التغيير

نجاح هيفو

إنه عصر النساء دون منازع، عصر القادرات على التغيير، على كسر الجدران السميكة التي بناها التمييز والظلم، على تحويل الألم إلى قوة والقيود إلى أجنحة. فالعالم اليوم لا يمكن أن يمضي في طريق السلام والديمقراطية من دون أن يحمل بصمات النساء، أولئك اللواتي أثبتن أن القيادة لا تُقاس بالصوت العالي، بل بثبات الخطى وعمق الرؤية.

منح جائزة نوبل للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماشادو لم يكن مجرد تكريمٍ لشخصٍ تحدّى الاستبداد، بل رسالة إلى كل نساء الأرض: عندما تريد المرأة، فهي لا تُلهم وطنها فحسب، بل تُلهم العالم بأسره.

ماريا كورينا، التي واجهت السجن والملاحقة والإقصاء، وقفت شامخة كجبل في وجه نظامٍ أراد إسكاتها. لكن صوتها ظلّ يتردد، يطالب بالحرية والكرامة والعدالة. نالت نوبل لأنها أثبتت أن الإيمان بالحق لا يُهزم، وأن السلم يمكن أن يكون أقوى من الرصاص.

هذه الجائزة ليست انتصارًا لفنزويلا فقط، بل لكل امرأة تُقاتل بصمت من أجل مستقبلٍ أفضل. إنها اعتراف بأن المرأة ليست ظلًا للرجل، بل شمسًا تُضيء دربه ودرب الأجيال القادمة.

ولاسيّما أنا امرأة كوردية، أحمل في داخلي ذاكرة أجيالٍ من النساء اللواتي صنعن التاريخ من خلف الحدود والجبهات، دون أن تُذكر أسماؤهن في كتب السياسة.

من جبال كوردستان خرجت نساء حملن القلم والبندقية والزهرة في آنٍ واحد. نساء واجهن الطغيان بقوةٍ هادئة وإصرارٍ لا يلين، نساء آمنّ أن الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع.

في كل بيتٍ كوردستاني حكاية أمٍّ علّمت أبناءها معنى الكرامة، وأختٍ خبأت الدموع لتزرع الأمل، وشابةٍ آمنت أن التعليم هو طريق التحرر.

حين أسمع أن امرأة كماريا كورينا تُكرّم بجائزة نوبل، أشعر أن العالم يلتفت أخيرًا إلى صوت النساء الذي ظلّ طويلًا يُهمّش ويُقصى. أشعر أن هذا العصر – رغم قسوته – صار أكثر إنصافًا للمرأة التي تصنع الفجر من بين رماد الليل.

نحن النساء الكورديات نعرف معنى النضال، لأننا عشنا بين واقعٍ مزدوج من القهر القومي والاجتماعي. نُقاتل على جبهتين: جبهة تحرر المرأة، وجبهة حرية الشعب. لكننا لم نفقد الأمل، بل صغناه على هيئة أغنية، ورسمناه على وجوه الأمهات اللواتي يودّعن أبناءهن بشجاعة لا تصدّق.

إن فوز ماريا كورينا هو فوز لكل امرأة تقول (لا) للظلم، ولكل فتاة تحلم أن ترى وطنها حرًا، ولكل أمٍّ تُربي أبناءها على السلام لا على الانتقام. هو انتصار للنساء الكورديات اللواتي وقفن بوجه الأنظمة القمعية والتمييز، فكنّ صوت الضمير في زمن الصمت.

لقد علّمتنا تجارب النساء حول العالم أن القوة ليست في السلطة، بل في القدرة على الإلهام. أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من القصور، بل من قلوب النساء المؤمنات بالعدل. أن كل امرأة تقول الحقيقة، حتى لو كانت وحدها، تغيّر مجرى التاريخ.

وأنا، كإمرأة كوردية، أقول بثقة: هذا العالم يحتاج إلى نساء لا يخشين قول الحقيقة، إلى نساء يحملن الوعي بدل السلاح، والإصرار بدل الكراهية. نحتاج إلى نساء يقُدن التغيير بالعقل والقلب معًا، ويكتبن فصول المستقبل بأقلامٍ مغموسة بالإيمان والكرامة.

قد لا نحمل جوائز نوبل، لكننا نحمل في أرواحنا جوهرها: الدفاع عن الحرية والعدالة والسلام. كل خطوة تخطوها امرأة كوردية نحو الوعي هي جائزة بحد ذاتها. كل صوتٍ نسوي يرتفع في وجه القهر هو نوبل جديدة تُمنح باسم الإنسانية.

فليكن فوز ماريا كورينا تذكيرًا لنا جميعًا بأن المرأة، أينما كانت، تستطيع أن تكون قائدة التغيير، لا تابعته. ولنؤمن أن زمن تهميش النساء قد ولّى، وأن العالم لا يمكن أن ينهض إلا بنصفه الأنثوي الذي ظل طويلًا يُقصى من صناعة القرار.

نعم، إنه عصر النساء دون منازع. عصر النساء اللواتي يحملن مفاتيح الغد، يفتحن الأبواب المغلقة على ضوء الإيمان والمثابرة. ولاسيّما أنا امرأة كوردية، أقولها بفخرٍ وصدقٍ:

لقد آن للعالم أن يسمع صوتنا، لا كصدى لآلام الماضي، بل كنشيدٍ للحرية القادمة.

قد يعجبك ايضا