نوري جاسم
في كل مرحلة من تاريخ العراق، كان التنوّع القومي والديني والمذهبي سمة بارزة من سماته، ومصدرًا لغناه الحضاري والإنساني. وعلى الرغم من ما سبّبته الصراعات السياسية من شرخ في النسيج الوطني، فإن التجارب التاريخية تؤكد أن العراقيين، حين يُمنحون فرصة اللقاء بعيدًا عن صوت السياسة، يختارون التآخي لا التناحر، ويبنون الجسور لا الجدران.
واليوم، ومع تعاظم التحديات التي يواجهها العراق، من أزمات اقتصادية وسياسية، وتغيرات إقليمية ودولية، تصبح الحاجة إلى ترسيخ قيم التآخي والمواطنة الجامعة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالتآخي ليس مجرد تعايش سطحي، بل هو عقد اجتماعي عميق يقوم على الاعتراف بالآخر، واحترام الخصوصيات، والعمل من أجل مصلحة الوطن الواحد.
لقد أثبت الواقع أن لا طرف يستطيع أن يلغي الآخر أو يتفوق عليه على حساب وحدة البلاد، فقد انتهى زمن الاستحواذ، وبدأ عصر الشراكة التي لا تبنى إلا على الثقة المتبادلة والاحترام المتكافئ. فالتعدد الذي يمتاز به العراق ليس عبئًا، بل فرصة تاريخية إن أُحسن التعامل معها، يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة سياسية وثقافية واقتصادية، وهذا ما يميّز العراق عن غيره من البلدان.
في كردستان العراق، كما في الجنوب، كما في بغداد ومدن الوسط والغربية، نجد نماذج يومية للتعاون والتكافل بين مختلف أطياف الشعب العراقي. في الأسواق، في الجامعات، في الميادين العامة، تجد التنوع حاضرًا دون صخب. ولكن هذه النماذج لا تجد صداها دائمًا في الخطاب الإعلامي والسياسي، الذي غالبًا ما يميل إلى تضخيم الخلافات وتجاهل المشتركات. لذلك، يصبح من الضروري دعم خطاب يعلّي من شأن التآلف والتفاهم، ويواجه خطاب الإقصاء والكراهية.
إن استقرار العراق لا يمكن أن يُبنى على معادلة الغالب والمغلوب، ولا على مشاريع الإقصاء أو الهيمنة، بل على شراكة حقيقية قائمة على العدالة، وتوزيع منصف للثروات، واحترام الحقوق الثقافية والسياسية لكل مكوّن. هذه ليست شعارات طوباوية، بل ضرورات وطنية لا بد منها إذا أردنا أن نحمي وحدة العراق ونضمن استمراريته.
ولا يخفى أن التآخي لا يتحقق بقرارات سياسية فقط، بل يبدأ من البيت، ومن المدرسة، ومن الخطاب الديني، ومن السلوك اليومي بين الناس. يبدأ من احترام المختلف، من الإصغاء إلى الرأي الآخر، من الاعتراف بالخطأ، ومن الإيمان بأن الوطن يتسع للجميع. فليس من المقبول بعد الآن أن يبقى التنوّع مهدّدًا بسوء الفهم أو التوظيف السياسي الضيق.
لقد جرّب العراق في العقود الماضية مسارات الانقسام، وذاق مرارة الفتن، ودفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائه ومستقبل أجياله. لذلك، فإن التآخي اليوم لم يعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل بات ضرورة وجودية، ومسارًا وحيدًا للنجاة. فإما أن نختار العيش معًا، باحترام وكرامة، أو نُهلك جميعًا في صراعات لا منتصر فيها.
إن العراقيين، بطبيعتهم، شعب حي، قادر على تجاوز المحن حين تتوفر له القيادة الواعية، والبيئة العادلة، والرؤية الوطنية الجامعة. وكلما اشتدت الأزمات، ازدادت الحاجة إلى وعي جمعي يُدرك أن لا مستقبل يُبنى بالكراهية، ولا دولة تُقام على أساس الانقسام.
في الختام، لا خيار أمام العراقيين سوى التآخي، لأنه الخيار الوحيد الذي يضمن بقاء هذا الوطن موحدًا، آمنًا، ومستقرًا. أما البدائل، فقد جرّبناها جميعًا، ولم نحصد منها سوى الألم والدموع…
اللهم صلِّ على سيدنا محمد، الوصف والوحي والرسالة والحكمة، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.