الزمن.. ذاكرة الوجود وصوت الفناء

حيدر فليح الشمري

في البدء كانت الحياة، ثم نادت الحرية باسمها، لكن ما بينهما كان الزمن، ذلك الخيط الخفي الذي نسج الوجود كله من لحظةٍ أولى لا نعرفها، إلى لحظةٍ أخيرة لا نقدر على إدراكها، الزمن ليس مجرد عقارب تدور، بل هو النبض الذي يوقظنا على معنى الفناء، ويذكّرنا أن الحرية والحياة لا تكتملان إلا حين نحسن الإصغاء لمروره الصامت.

قالوا إن الزمن يُداوي، لكنه في الحقيقة لا يداوي شيئًا، بل يُعلّمنا كيف نتأقلم مع الجراح، هو المعلّم الذي لا يرحم، لكنه العادل الذي لا يجامل، في طياته نكبر، ونفقد، ونحب، ونتغير، نكتشف أننا لسنا أبناء اللحظة كما نظن، بل نحن ظلال عابرة في مسرحٍ كبير لا يتوقف فيه العرض أبدًا.

الفلاسفة رأوا فيه لغز الوعي، والعشاق جعلوه مرآة للانتظار، أما الشعراء فاعتبروه نهرًا من الحنين، لا يُطفئه إلا الموت، لكن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال كلمته الخالدة:
((الفرصة تمرّ مرّ السحاب، فاغتنموا جمالها)) .

بهذه الحكمة يلخّص الإمام علاقة الإنسان بالزمن: ليست مقاومةً ولا خضوعًا، بل وعيًا بأن ما يمضي لا يعود، وأن ما نملكه ليس الساعات، بل أثرنا فيها .
الزمن لا يُقاس بالدقائق، بل بالمعنى الذي نزرعه فيها، هو شاهدنا أمام أنفسنا، وسفيرنا إلى الغد، وصوت الفناء الذي يذكّرنا أن البقاء وهمٌ إن لم نترك أثرًا من خيرٍ أو فكرٍ أو حب.
وهكذا كما كانت الحياة سؤالًا، والحرية جوابًا، يأتي الزمن ليكون النتيجة، الخاتمة التي تعيد كل شيء إلى أصله، إنه الذاكرة التي تحفظ صدى خطواتنا، والصوت الذي يهمس لنا دائمًا:
” كن حيًّا ما دمت تمرّ، فكل لحظة تفنى إن لم تعشها كاملة ”

قد يعجبك ايضا