حسو هورمي
في صيف عام 2014، شهد العالم واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية حين تعرض الإيزيديون في العراق لحملة وحشية شنها تنظيم داعش الإرهابي وضمت عمليات قتل جماعي، واسترقاق، واغتصاب منظم، وتدمير ممنهج لهوية دينية وثقافية عمرها قرون. لم تكن تلك مجرد ممارسات عشوائية، بل سياسة مقصودة لإبادة جماعة بأكملها. هذه ليست أوصافًا إنشائية، بل حقائق موثقة في تقارير الأمم المتحدة وشهادات الناجين.
ورغم وضوح الجريمة، فإن الإحجام عن تسميتها باسمها الحقيقي – الإبادة الجماعية – لا يُعد خلافًا لغويًا أو نقاشًا سياسيًا فحسب، بل موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا يطال كرامة الضحايا وحقهم في العدالة والذاكرة. فالكلمات ليست محايدة؛ هي إما أدوات للإنصاف أو وسائل للتعتيم.
أولًا: البعد الأخلاقي – اللغة كرافعة للعدالة
الاعتراف بما جرى للإيزيديين على أنه إبادة جماعية ليس مجرد توصيف قانوني، بل إقرار بإنسانية الضحايا ومعاناتهم. اللغة تصنع الذاكرة العامة وتوجه بوصلة الضمير الجمعي. حين نتردد في تسمية الجريمة باسمها الحقيقي، نُسهِم – ولو من غير قصد – في طمس الحقيقة وإعادة إنتاج الظلم. إن تسمية الأشياء بأسمائها هي الخطوة الأولى نحو العدالة، ورسالة احترام للضحايا والناجين.
ثانيًا: البعد القانوني والسياسي – مسؤولية لا تقبل التأجيل
تُعرّف اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 الإبادة الجماعية بأنها محاولة متعمدة لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية أو عرقية، كليًا أو جزئيًا. الجرائم التي ارتُكبت ضد الإيزيديين تنطبق تمامًا على هذا التعريف، كما أكدت ذلك تقارير الأمم المتحدة وهيئات قضائية دولية.
إن تجنب استخدام المصطلح لا يعني فقط إنكار الحقيقة، بل تهربًا من المسؤولية الدولية في:
• الملاحقة القضائية للجناة
• التعويض وجبر الضرر
• ضمانات عدم التكرار.
عليه فالاعتراف هنا ليس ترفًا سياسيًا، بل التزام قانوني وأخلاقي تجاه الضحايا والعدالة الإنسانية.
ثالثًا: البعد الإنساني والرمزي – مقاومة النسيان
تحمل الكلمات قوة مقاومة النسيان. فهي تحفظ ذاكرة الشعوب وتمنع طمسها. الإيزيديون لا يطلبون شفقة أو عطفًا، بل اعترافًا صريحًا بالواقع الذي عاشوه كي يتمكنوا من استعادة كرامتهم ومكانتهم في العالم. تسمية ما حدث لهم بالإبادة الجماعية تُعيد الحق إلى نصابه، وتؤسّس لسردية تحترم الحقيقة وتؤكد التضامن الإنساني مع الضحايا.
رابعًا: الإنكار الرسمي ودور الإعلام
يزيد من خطورة هذا التجنّب ما تمارسه بعض وسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية في العراق من إنكار أو تلطيف للفظائع، باستخدام مصطلحات مثل “المجزرة” أو “النكبة” او اي مصطلح اخر بدل “الإبادة الجماعية”. ورغم أنها تعترف بوقوع مأساة، فإنها تقلل من حجم الجريمة وتُساهم في طمس حقيقتها. هذا الإنكار لا يضر فقط بالضحايا، بل يُضعف الجهود الوطنية والدولية لتحقيق العدالة، ويُكرّس ثقافة الإفلات من العقاب.
خامسًا: العواقب الوخيمة لطمس التسمية
إضعاف العدالة الانتقالية: غياب الاعتراف يعطّل محاسبة الجناة وإنصاف الضحايا.
تقويض مصداقية المجتمع الدولي: الصمت أو التردد يضرب ثقة الضحايا بالمؤسسات الدولية ويحدّ من فاعليتها.
تشجيع الإفلات من العقاب: حين لا تُسمّى الجريمة، تتكرّر بأشكال جديدة.
إيذاء نفسي ومعنوي للناجين: إنكار الحقيقة يضاعف الألم ويؤخر التعافي.
سادسًا: من الاعتراف إلى الفعل – توصيات عملية
المحاسبة القضائية: دعم التحقيقات الدولية والوطنية، وتوثيق الأدلة، وإحالة الجناة للمحاكم المختصة.
جبر الضرر والتعويض: آليات عادلة تشمل التعويض المادي، والدعم النفسي، وإعادة التأهيل.
حماية الشهود والناجين: برامج متخصصة تضمن الأمان والخصوصية، خاصة للناجيات من العنف الجنسي.
حفظ الذاكرة والتربية: مناهج تعليمية ومتاحف ومراكز توثيق تُخلّد الحقيقة وتبني وعيًا مضادًا للكراهية.
إعادة الإعمار والعودة الآمنة: توفير البنية التحتية والخدمات وضمان الحماية للعودة الطوعية الكريمة.
صون الهوية الثقافية والدينية: دعم المؤسسات الإيزيدية وحماية التراث المادي واللامادي للجماعة.
الخاتمة
الإبادة الجماعية ليست مصطلحًا سياسيًا قابلًا للمساومة، بل حقيقة إنسانية وتاريخية وقانونية تستدعي وضوحًا في التسمية وصدقًا في الموقف. الاعتراف بما جرى للإيزيديين كإبادة جماعية هو واجب أخلاقي وخطوة أساسية نحو العدالة، وحفظ الذاكرة، ومنع التكرار.
الكلمات ليست مجرد أدوات للتعبير؛ إنها وسائل لإنصاف الضحايا أو لتعتيم معاناتهم. فلنستخدمها بما يليق بكرامة الإنسان وبمسؤوليتنا تجاه الحقيقة.
الإيزيديون يستحقون أن يُسمع صوتهم، وأن تُصان ذاكرتهم، وأن يُعترف بمعاناتهم كإبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى والتزام.