محمد علي محيي الدين
في ناحية الإسكندرية، الواقعة على تخوم بابل، حيث الأرض لا تنسى حرثها، ولا الوجوه تنسى تعبها، ولد الشاعر سالم حميد البدراني الذي اتخذ اسما فنيا هو سالم سالم في الثاني عشر من آب عام 1973، ليكون ابنًا لبيئة لا تُفرط بالوجع، ولا تجامل الحياة في قسوتها. لم تُمهله الظروف كثيرًا ليكمل طريق الدراسة، لكنّ الطريق الذي سلكه كان أكثر مشقةً وعمقًا: طريق الكلمة.
أن تقف مبكرًا في مواجهة العالم من دون دروع التعليم الرسمية، ثم تصرّ على أن تكون شاعرًا، فتلك معركةٌ يخوضها النبلاء وحدهم. لم يكن سالم شاعرًا صُنع على مقاعد المدارس والجامعات، بل تشكّل من صلابة العيش، ومن قراءات ليلية تأخذه من صخب الحياة إلى صمت دواوين الشعراء، هناك، حيث وجد نَفَسه الحقيقي، وصوته الخاص، ومكانه بين العاشقين لكبرياء الكلمة.
امتلك سالم سالم نبرة خاصة، تشبهه. صوت شعري لا يحاكي أحدًا، ولا يسعى للتشابه، بل يُغني منفردًا كمن قرر أن يعزف “بيديه المقطوعتين” ـ كما سمّى أولى مجموعاته الشعرية عام 2008. لم يكن ذلك العنوان محض استعارة بل إعلانًا شعريًا مكثّفًا عن شاعر فقد الكثير، لكنه لا يزال يغني.

وفي مجموعته الثانية “السماء تمطر بالشتائم” (2010)، يمضي سالم في فضاء أكثر تمرّدًا، حيث تتنازع القصيدة بين سخرية مرة ومأساة ناعمة. إنه لا يرثي العالم، بل يكشف قبحه بضحكةٍ سوداء، ويحمّل القصيدة عبء ما لم يجرؤ غيره على قوله. يكتب سالم كشاهدٍ منهك، لا كمنتصر؛ كشاعر يقيم في منطقة رمادية بين الإيمان بالعالم واحتقاره.
أما مجموعته الأخيرة “الحب عادة سيئة” (2022)، فهي خلاصة شاعرٍ لم يعد يراهن على النهايات، لكنه لا يزال يؤمن بشهوة البدايات. الحب عند سالم لا يأتي بوصفه خلاصًا، بل بوصفه لعنةً أخرى، قادمة بلغة متقنة، ونبض داخلي يعكس وعيًا شعريًا يتجاوز النمط، ويخوض تجارب الإنسان في هشاشته اليومية، في قلقه وحنينه، وفي وحدته.
نُشرت قصائد سالم سالم في صحف عراقية مرموقة: المشرق، الصباح، طريق الشعب، الزمان، أوروك، وغيرها، وكانت قصيدته ـ دائمًا ـ تنتمي إلى ضميرها الخاص، دون أن تساوم على جمالياتها أو تنحني لخطابات الموضة الشعرية. لم يكن شاعر مناسبات، ولا شاعر منصة، بل شاعر لحظة صادقة، تُكتب لأنها تُشبهه.
يرى فيه البعض صوتًا شعريًا متفرّدًا، يحتفي بالبساطة دون تسطيح، ويُحسن تطويع اللغة لتخدم مشهده الداخلي لا العكس. وُصف شعره بأنه “يخرج من القلب إلى القلب دون رتوش”، وأنه “يكتب كما يتنفس”، حتى أن بعضهم قال: “سالم سالم شاعر لا يُشبه أحدًا… إلا وجعه”.
منذ عام 2005، أصبح عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين – فرع بابل، مشاركًا في أمسيات المدينة وملتقياتها، حارسًا على نار الشعر المتقدة فيها، ورافعًا راية القصيدة رغم شحّ الهواء.
سالم سالم هو ابن الهامش المجيد، الذي أثبت أن الشاعر لا يُصنع في العواصم، بل في الزوايا التي يُهمَل فيها الضوء، وفي القلوب التي تكتب قصيدتها كما تُكتب الصلوات. هو شاعر خساراتنا الجميلة، ومَنْ جعل من وجعه شخصيًا، مرآةً وجعنا جميعًا.