ثقافة الاحترام الانتخابي.. حين تعطي كوردستان درسا لبقية العراق

فريدة الحسني

في كل موسم انتخابي يطل على العراق تتكرر المشاهد ذاتها بلا تغيير يذكر، صور المرشحين ممزقة على الجدران، عبارات مسيئة تخط على اللافتات وهتافات تطلق في الشوارع أو على المنصات الرقمية تحط من قدر هذا المرشح أو ذاك. وكأن التنافس الانتخابي لم يعد ساحة للأفكار والبرامج، بل تحول إلى ساحة للتهجم الشخصي وتصفية الحسابات السياسية.

هذا السلوك وإن بدا عفويا أو ناتجا عن الغضب الشعبي إلا أنه يعكس في عمقه أزمة ثقافية واجتماعية متجذرة، لا يمكن تجاوزها إلا بإعادة بناء مفهوم الاحترام المتبادل بين المواطن والدولة وبين المرشح والناخب، فالانتخابات ليست حربا بين خصوم، بل عملية حضارية تعبر عن إرادة الأمة في التغيير السلمي والتداول السلمي للسلطة لكن حين تتحول الشوارع إلى مسرح للإهانة، وتصبح صور المرشحين هدفا للتمزيق والسخرية، يفقد العمل السياسي معناه، ويصبح المشهد الديمقراطي قشرة زائفة تخفي خلفها واقعا من التوتر والانقسام وانعدام الثقة.

حقوق متبادلة ومسؤولية مشتركة

العلاقة بين المرشح والناخب يجب أن تقوم على ميثاق أخلاقي غير مكتوب أساسه الاحترام المتبادل والوعي بالمسؤولية. المرشح مهما كان انتماؤه أو توجهه هو مواطن مارس حقه الدستوري في الترشح وله حق الحماية من التشويه والاعتداء كما أن للناخب الحق في النقد والمساءلة والمحاسبة، ولكن دون إسفاف أو تجاوز. الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على الفوضى أو الانفعال، بل على الحرية المنضبطة بالاحترام حين يسقط هذا الاحترام تتحول الديمقراطية إلى أداة للفوضى وتفقد العملية الانتخابية قيمتها ومعناها ولذلك فان احترام المرشح ليس مسألة شخصية تخصه وحده، بل هو جزء من احترام المجتمع لذاته ولمؤسساته. البلد الذي يهان فيه المرشح هو بلد يهين رموزه ويفرغ التنافس السياسي من روحه الأخلاقية.

لماذا يختلف المشهد في كوردستان العراق؟

من اللافت أن هذه الظواهر تكاد تختفي في إقليم كوردستان العراق، حيث تسير الحملات الانتخابية هناك في أجواء يغلب عليها النظام والاحترام لا ترى صور ممزقة ولا تسمع هتافات جارحة ولا يمارس العنف الرمزي بحق المرشحين ويعود ذلك إلى أن المجتمع الكوردي تعلم ثقافة احترام القانون والنظام من خلال تجربة حكومية عملت على ترسيخ الانضباط والسلوك المدني منذ سنوات طويلة.

لقد نشأ جيل كوردي يدرك أن الاختلاف في التوجه السياسي لا يعني العداء وأن التنافس لا يلغي الاحترام، وأن المواطن هو حجر الأساس في استقرار التجربة الديمقراطية.
إن هذا الوعي لم يأت صدفة، بل هو ثمرة تربية اجتماعية وإدارية وثقافية متراكمة أسست لحالة من التصالح الذاتي داخل المجتمع جعلت منه نموذجا يمكن لبقية المحافظات العراقية أن تتعلم منه، فحين تكون الحكومة رصينة، عادلة، وواضحة في تعاملها، فإنها تنتج مواطنا يثق بالنظام ويحترم العملية السياسية ككل.

أسباب الظاهرة في بقية العراق

أما في بقية محافظات العراق، فالأمر أكثر تعقيدا وتشابكا، فقد تراكمت على مدى عقدين من الزمن أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية أدت إلى فقدان الثقة بين المواطن والمرشح، بل وبين المواطن والدولة نفسها.

الفساد الإداري، وانعدام العدالة، وتكرار الوعود الانتخابية التي لم تنفذ جعلت المواطن ينظر إلى المرشحين بعين الريبة والغضب، فصار التعبير عن السخط يأخذ أشكالا غير حضارية إضافة إلى ذلك، فإن الخطاب الطائفي والحزبي الضيق عمق الانقسام الاجتماعي حتى أصبح الانتماء السياسي سببا للكراهية لا مجرد اختلاف في الرأي، ولا يمكن تجاهل دور الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت أحيانا في تضخيم الخلافات وبث روح الشحن والتوتر، بدل أن تكون منابر للتوعية والتنوير.

لقد تحولت بعض المنصات إلى ساحات للتجريح والتشهير غابت عنها اللغة الراقية والنقاش المسؤول في وقت البلاد بحاجة فيه إلى اعلام يزرع الاحترام ويعزز ثقافة الحوار.

نحو وعي انتخابي جديد

بناء ثقافة احترام المرشح لا يكون بالمواعظ فقط، بل عبر سياسات تربوية وقانونية وإعلامية متكاملة فالتربية المدنية في المدارس والجامعات يجب أن تزرع في نفوس الأجيال معنى المواطنة الصالحة وأدب الاختلاف وقيمة الكلمة المسؤولة. كما أن القوانين الرادعة يجب أن تفعل لحماية المرشحين والممتلكات العامة والخاصة من أي اعتداء أو تشويه مع فرض عقوبات واضحة على كل من يعتدي أو يحرض على الكراهية.

وفي المقابل، يجب أن يكون الاعلام الوطني شريكا فاعلا في ترسيخ ثقافة “نختلف باحترام”، عبر برامج وحملات تركز على السلوك الانتخابي الواعي وتعرض نماذج إيجابية من الحوار والتنوع، أما القادة السياسيون، فعليهم أن يكونوا القدوة في هذا المجال لأن الكلمة الهادئة من مسؤول رفيع يمكن أن تهدئ شارعا كاملا بينما الكلمة المتشنجة قد تشعل فتنة لا تنطفئ.

الاحترام ليس ترفا، بل هو مقياس للتحضر

إن ظاهرة تمزيق صور المرشحين أو الإساءة إليهم، ليست مجرد تصرفات فردية، بل هي انعكاس لمستوى وعي المجتمع وثقافته السياسية فحين يهان المرشح، يهان الحق في التعدد ويختزل الوطن في صوت واحد ورأي واحد وحين يحترم المرشح، حتى لو اختلفنا معه نكون قد خطونا خطوة نحو دولة القانون حيث الكلمة تواجه بالكلمة والفكرة تناقش بالحجة لا بالإهانة

أخيرا

ان الاحترام ليس ترفا أخلاقيا، بل هو شرط من شروط بقاء الوطن موحدا وآمنا فالمجتمع الذي يحترم أبناءه المختلفين هو مجتمع قادر على بناء مستقبل مشترك أما الذي يستهين بالآخر، فانه يهدم بيده الجسر الذي يربطه بمستقبل أفضل ولهذا فان معركة العراق الحقيقية ليست بين الأحزاب ولا بين المرشحين، بل بين ثقافة الاحترام وثقافة الكراهية فاذا انتصرت الأولى، انتصر الوطن وإذا غلبت الثانية، خسرنا جميعا، مهما كانت نتائج صناديق الاقتراع ويعكس ظاهرة اجتماعية وسياسية واقعية في العراق تستحق النقاش.

قد يعجبك ايضا